في زمنٍ امتلأت فيه المنصات بالشعارات، وتحوّلت الوطنية إلى وسمٍ يُعاد نشره كل صباح، صار بعض الناس يظنّ أن حبّ الوطن يُقاس بعدد التغريدات أو الصور الموشّاة بالأعلام. لكن الحقيقة أن الوطنية لا تُقاس بالكلمات، بل بالفعل، وبالقدرة على العطاء في أصعب الظروف.
رأيت من يسمّون أنفسهم وطنيين وهم لا يقدمون سوى الكلام، يهاجمون الفساد بالمنشورات، ثم يغضّون الطرف عنه في الواقع. يكتبون عن التضحية، لكنهم أول من يتراجع عند أول اختبار. تلك وطنية الكيبورد، وطنية الواجهة، وطنية بلا عرق ولا أثر.
أما نحن السودانيين، فتعلمنا أن الوطنية تُقاس بالفعل لا بالصوت.
نقاسم اللقمة مع جيراننا في الشدة، نعيد بناء ما دمرته الحرب، نُطعم الجائع ونداوي الجريح، ونواصل التدريس في مدارس بلا مقاعد ولا كتب. نحن لا نكتب عن الوطن… نحن نحياه.
ويكفي أن ننظر إلى الفاشر اليوم، المدينة التي واجهت ما يقارب الثلاثمائة معركة في عامٍ ونصف من الحصار والمعارك. ورغم الدمار والجراح، ظلّ أهلها واقفين على ثرى الصمود، يصنعون الحياة من قلب الموت. هناك لم تكن الوطنية منشورًا أو شعارًا، بل كانت عملاً وصبرًا وتضحية.
رأيت شبابًا يوزّعون الماء وسط الرصاص، وأمهاتٍ يخبزن لإطعام الأسر المحاصرة، وأطباء يعملون في المستشفيات الميدانية رغم انقطاع الكهرباء والدواء.
هؤلاء هم أبناء الفاشر الذين جسّدوا الوطنية الحقيقية، وكتبوا بعرقهم ودموعهم معنى الانتماء للأرض.
وفي الجهة الأخرى، هناك من باعوا الوطن في سوق المصالح، وارتدوا قناع الوطنية ليتستروا على أطماعهم.
هم العملاء والمرتزقة والعنصريون والجهويون وأصحاب المصالح الضيقة الذين فرّقوا بين أبناء الوطن الواحد، وزرعوا الكراهية مكان المحبة، والطمع بدل الإخلاص. هؤلاء أسوأ الناس، لأنهم لا يكتفون بتخريب الحاضر، بل يسرقون من الأجيال القادمة حقها في وطنٍ موحد كريم.
في كل محنةٍ يمر بها السودان، يولد من رحم الألم أبطالٌ صامتون لا يملكون وقتًا للمنشورات، لأنهم مشغولون بصناعة وطنٍ من الرماد.
أولئك الذين يقفون في الميدان بصمتٍ وشجاعة، هم من يستحقون أن يُقال عنهم وطنيون حقًا.
فالوطن لا يُبنى بالكيبورد، بل بالأيادي التي تعمل، والضمائر التي لا تساوم، والقلوب التي لا تنام إلا على نبض حبّه.
ولئن كانت (وطنية الكيبورد) ضجيجًا عابرًا، فإن وطنية السودانيين، وفي مقدمتهم أهل الفاشر، شعلة لا تنطفئ مهما اشتدت العواصف.
سلامٌ على الفاشر، على صبرها، وعلى كل قلبٍ سودانيٍ لا يكتب عن الوطن… بل يحمله في دمه.
