كلمة (عَقَرَ) لها دلالات و معاني مختلفة . فتعني العقم و انقطاع الولادة فيقال امرأة عاقر أو شاة عاقر….. و تأتي بمعنى ( عضَّ) و يقال عقره الكلب( عضه من سَعَر ) . و يطلق أهلنا على الكلب السعران عقور ” كلبٌ عقور ” و الجمل الذي يعض (أُكْلَة) و السعر مرض يصيب الحيوان و الإنسان…. أيضاً عقر تعني ( ذبح) فيقال عقر الناقة أو الثور ذبح ….
و من المعاني المتداولة عقر الناقة أو الثور قطع قوائمه أو عرقوبه بالسيف و في عامية أهل كردفان ( عَرْقَب ) الناقة و الثور قطع عرقوبه و العرقوب معروف….
كان أهلنا اذا أرادوا نحر ناقة أو ثور جامح ( الفحل ) الذي يصعب القبض عليه مثلاً ( فيعقرونه ) أو (يعرقبونه) و كلاهما يعني قطع قوائمه…. و القوائم و العرقوب تعني عندهم الأرجل الخلفية…..
و عَقْرُالناقة أو الثور فنٌ لا يجيده كل الناس ، لأنه يعتمد على قوة الساعد ( الدريجة) ، و دقة التهديف و سرعة الحركة . لأن المعقور لا يستقر في مكان في واحد و بالتالي يتطلب عقره و هو متحرك أو جاريٍ بسرعة تتطلب دقة تصويب……
من الحِيِّل التي يتخذها الناس لعقر البهيمة الجامحة ك( الفحل ) مثلاً وهو دائماً يكون شرساً شديد العنفوان فتجمع معه البهائم “إبل كانت أو بقر” في مكانٍ واحد حتى يستقر وسطها و يتسلل العاقر من الفعل (عقر يعقر) بسيفه من بين البهائم فيستغفل (المعقورة) أثناء وقوفها بين المراح فيعقرها وهي واقفة . و إذا تحركت في هذه الحالة فإن حركتها تكون محدودة تمكن القاطع من عقرها فيرديها صريعة (للذبح) إن كان ثوراً أو بقرة ، و (النحر) إن كانت ناقةً أو بعير…… و من هذه الممارسة صار المثل يضرب لاستعصاء الأمر الذي لا يتأتى نيله إلا بالحيلة المدعومة بالقوة [ لِم البقر و اعقر التور ] …..
عند أهلنا إذا صعب أمرٌ ما على الشخص يلمحون له أن ( لِم البقر و اعقر التور ) و الحكمة من هذا المثل هو توفير المجهود و تقليل الخسائر . فإذا حاول الناس الإمساك بثورٍ هائج و ناقةٍ أو بعيرٍ شارد قد يتعرض بعضهم لدهس أو كسر أمام البهيمةالجامحة….
السودان منذ العام ٢٠١٨م يعيش اضطرابات بدأت بطابع السِلم و انتهت بحرب ضروس قضت على الأخضر و اليابس……
الثورة التي انتظمت الشارع السوداني رغم رفعها لشعار السلمية إلا أنها كانت مصحوبة بعنف لفظي و تخريبي سد الطرق و أغلق كل مؤسسات الدولة فكانت كالثور الذي خرج عن السيطرة ليركل كل ما أمامه بقرنيه و يطرحه تحت رجليه مما جعل الدولة بين خيارات عدة إما ( كبح ) أو ( ذبح ) ، أو (مهادنة) و (ترويض) فاختارت الأخيرين لعلها تخرج بأقل الخسائر لكن أتت الرياح بما لا تشتهي . فاستفحل الهيجان بمساندة بعض (الجهات و السفارات) و تبعه فيضان من كل الاتجاهات فسقطت الحكومة في أيدٍ لم تكن مهيئة نفسها للحكم كما أنها لا تمتلك برنامجاً للحكم مما أحدث فراغاً في السلطة فانفلت الأمن و طفح الكيل ، و دُبِّرأمرٌ (بليل) . فسالت من تبعاته دماءٌ كالسيل ، انفرط بسببها العقد ، و تفشى الحقد . فساد الغليان وازداد الهيجان و ” الوجيع ” ، و جمح من الجيش “الدعم السريع” محمولاً للحرب كحصان طروادة ليخوض على البلاد حرباً بلا هوادة….
فأزهقت أرواح ، و اهرقت دماء ، و سالت دموع ، و رُمِّلت نساء ، اغتصبت و استُرِقَّت حرائر و يُتِّم أطفال……
انكسرت بهذه الحرب هيبة الدولة و بددت الأموال كان من الأولى توجيهها للإعمار و البناء و رفاهية عيش المواطن ….
و ما كان للمواطن إلا الهروب أمام زحف جحافل المليشيا و فزوعاتها العابرة للحدود إلى الأماكن الآمنة التي يسيطر عليها الجيش . و لم يكن للجيش بدٌّ من إلا أن يتحمل مسؤوليته الاخلاقية للدفاع عن الأرض و العرض و حماية الحدود…..
ثلاثة أعوامٍ قمرية من نشوب الحرب و على أعتاب الرابع بأيام و ليالٍ استخدم فيها الجيش كل خطط و استراتيجيات الحروب لمجابهة حرب مدن عصية لم تكن بحسبانه . لكنه استطاع بفضل تدريبه العالي و حنكته و درايته بأساليب الحرب أن يحقق فيها مكاسب و انتصارات عسكرية لا تخطئها العين على واقع الأرض… و برغم عظمة هذه الانتصارات و تأثيرها على مجريات الأمور في الداخل و الخارج ، لكنها لم ترتقي لطموحاته لإنهاء الحرب ، و لم تلبي حاجة المواطن في الأمن و الاستقرار و العيش الآمن…. و ظل القتال يتسرب بين الأزقة و الطرقات من مدينة إلى مدينة ، و من قرية و وادٍ إلى أن وصل مداه في ولايات كردفان و دارفور فوضع مواطن هذه الولايات تحت وطأة القتل و التشريد و التهجير القسري و هي نتائج طبيعية للحروب منذ الأزل فلا تخلو من الظواهر السالبة من ” قتل و سلب و نهب و سبي و تشريد ” و سائر أعمال العنف . وهي نوع من أنواع الضغوط لرضوخ الخصم و اخضاعه لإرادة المنتصر مع أنها محرمة شرعاً و عرفاً…..
مليشيا الدعم السريع كانت الأكثر عنفاً حينما لجأت لقتل الابرياء بشبهة الانتماء الى ( الجيش و الحركة الاسلامية و الفلول و الأبولدة و الجلابة ) . و هي تصنيفات صممت بدقة حتى لا ينجو منها إلا من كان في صفوف المليشيا أو منتمياً لحواضنها وقطع دابر الآخرين. و بذلك أصبح غالبية أهل السودان في المدن و القرى و الأرياف و البوادي تحت نيران المليشيا قتلاً و سلباً و نهباً و تشريداً و تهجيراً . و في زمن وجيز أصبحت كل ولايات السودان ما عدا خمس منها ” كسلا ، البحر الأحمر ، الشمالية ، نهر النيل ، القضارف ” إن لم تكن كلياً تحت سيطرة المليشيا فهي جزئياً تحت التهديد المباشر لنيران مدفعيتها و أهداف مسيراتها……
هذا الترهل و الانتشار الواسع للمليشيا وضع الجيش أمام تحدٍ كبير ، و مسؤولية أخلاقية و تاريخية . فإما جنوح و استسلام و تسليم البلد لجهات أجنبية للإستيلاء على خيراته و اقتسام ثرواته ليعيش المواطن على وعود مضللة تحت شعارات التحرير و رغد العيش المزيفة ، أو القتال لآخر جندي ليبقى الوطن عزيراً و يعيش المواطن مكرماً . فأبت حمية الجيش و كرامته تسليم بلاده لجهات أجنبية ، و تبديل دينه بالدنية ، و عيش شعبة تحت وطأة الإهانة و الدونية….. و لم يكن أمامه إلا خيار القتال ، فكانت ردة فعله تجاه المليشيا و أعوانها قوية استطاع زعزعة المليشيا و تشتيتها و حصرها في زوايا ضيقة في وديان كردفان و حواضر دارفور…….
معروف أن الانتصارات في الحروب لا تتحقق الا بامتلاك مبادرات و فنون في القتال و التكتيكات و الخطط و الاستراجيات و الاستخبارات و هذه لا يعلمها إلا من درسته الحرب و خاض غمارها ويصبح من أهل مكة و ” أهل مكة أدرى بشعابها ” …
الجيوش لها فنون تدرس في الكليات مثل فن القتال ، و الكر ، و الفر ، و التمسك بالأرض ، و تكتيك الانسحاب ، وفن التفاوض ، و المهادنة و غيرها من الفنون التي لايدرك كنهها و معانيها إلا من تشرب بالعلوم العسكرية في قاعات السلم و ميادين الحروب…..
من الواضح أن هذه الانتصارات التي حققها الجيش جاءت نتيجة استخدامه لآليات الحرب إضافة الى فنونها ، لأن السلاح مهما كانت حداثته و كميته وقوته لن يحقق نتيجة ملموسة أو انتصاراً على الأرض إلا إذا كان مدعوماً بهذه الفنون و الخطط و الاستراتيجيات و يعزز هذا القول مجريات الأوضاع في كافة جبهات القتال .فترى الجيش بين كل فترة و أخرى يحرر منطقة أو يفك الحصار عن مدينة أو موقع أو طريق في كردفان ، و من الجانب الآخر تتهاوى المليشيا بين مستسلم و هارب و متعنت أخذته (العزة بالإثم) يصر على القتال . وهذه دلالات على أن الجيش يستخدم في معركته كل فنون الحرب ” يدٌ مرفوعة و يدٌ مبسوطة ” يضرب بواحدة و يهادن بأخرى كأنه يقول من دخل دار أبي سفيان فهو آمن واستطاع بذلك تحييد عدد كبير من وحدات و قيادات المليشيا فدخل موسى هلال و من قبله كيكل و من بعدهم النور قبة و بشارة الهويري و علي السافنا في حضن الوطن و قد أدى ذلك إلى انقسام الناس حول قبولهم و عدم قبولهم وكلٌّ له مبررات و مسوقات لتعزيز رؤيته . و مهما اختلفت الآراء فيهم فإن التقديرات الأخيرة لمن هو بالميدان و ممسك بزمام السلطة ، لأن تقديراته مبنية على دراسة و رؤى مستندة إلى تقارير يومية واردة من ميدان الحرب……..
و في كل الأحوال اعتقد أن استسلام مثل هؤلاء القادة سيكون له أثره على أرض المعركة سواء بإضافة قوة عسكرية جديدة ” كيكل و موسى هلال و النور قبة ” وغيرهم من الوحدات التي سلمت بأعداد و سلاح أقل . أو إضافة دفعة معنوية للجيش و تخذيلية لقوات المليشيا في آن واحد مثال لذلك ” السافنا ” كونه كان قائداً مؤثراً في الميدان و برغم أنه لم يعلن انضمامه للجيش لكنه تبنى خطاباً فاضحاً لممارسات المليشيا و قادتها ، و تخذيلاً واضحاً بدعوته لرفقائه في صفوفها لتحكيم العقل و وضع السلاح و الجنوح للسلام استجابة لإرادة الشعب كأنه يريد للجيش أن يقول من دخل دار ( السافنا ) فهو آمن….و حسب المعلومات أن المليشيا بدأت تفقد أغلب قياداتها بطرق فردية أو جماعية و هذا الفقدان في كل حالته يصب في دائرة ترجيح كفة الحرب لصالح القوات المسلحة……
من خلال هذه المعطيات يبدو أن القوات المسلحة استجمعت كل خططها و استراتيجياتها و دبلوماسيتها العسكرية لحصر قوات المليشيا في اتجاه واحد لتأمين ظهرها و وضع المليشيا في مجرى السيل كمن (يجمع البقر و يعقر الثور) لكنها بدلاً عنه استخدمت (شراع الحبل) و هو نوع من أنواع الحِيَّل لقبض الثور حياً و توظيفه في غير مكان بدلاً من عقره (بالسيف) و تعطيل حركته و فقدان صلاحيته و (الحي نفعه أكثر من الميت)……..
أنا مع الرأي القائل بوجوب قبول كل من تمرد و يريد الرجوع لحضن الوطن و احتوائه في الاتجاه الموجب الذي يضمن سلامة البلد و المحافظة على أمنه ، و يبقى الحُكم بين الناس ( أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و السن بالسن و الجروح قصاص ) ، و أن ” البِرُّ لا يَبْلى ، و الإثمُ لا يُنْسى ، و الديانُ لا يموت ، فكن كما شئت و كما تدِينُ تُدانْ “……
و إِعْمال القانون يَدْرَأ تكرار (المَجُون)……..
الأستاذ/ الغالي الزين حمدون .
٢٠٢٦/٥/١٤ م
