يا ود حمدان،
كل المدردم ما برتكان، وكل من ظن أن السودان لقمة سائغة تُبتلع كما تُبتلع عصيدة الصباح، قد أخطأ الحساب الصاح، وضل الطريق الرشاد والنجاح، وركب مركباً لا نجاة فيه ولن ينجو من عليه.
لقد توهّم المعتوه ومن تبع خطاه أن أرض النيلين يمكن أن تُداس بلا حساب، وأن العرض يمكن أن يُنتهك بلا عقاب، وأن المدن يمكن أن تُحرق وتُنهب وتُدمر بلا رادع ولا وازع. لم يعلموا أن السودان وإن لان في لحظة، فإنه إذا غضب كان كالبركان، وإن صبر دهراً، فإنه إذا نهض اجتاح الطغيان.
إن الافاعى وان لانت ملامسها
عند التقلب فى أنيابها العطب
إن ما ارتُكب من جرائم فادحة لا يخفى على عين ولا يغيب عن ضمير: اغتصاب للنساء من إثنيات بعينها، تدمير للبنية التحتية التي بُنيت بعرق الأجيال وبالمال الحلال، نهب للممتلكات العامة والخاصة، تجاوز لكل الخطوط الحمراء التي تحفظ الكرامة وتصون الحياة. لقد طفح الكيل، وانكسر الصبر، وبات الحق يصرخ في كل بيت وشارع وقرية ومدينة.
لكنهم دَقَسوا…!
نعم، دَقَسوا حين ظنوا أن السودان بلا سند، وأن أهله بلا جلد، وأن جنده بلا بأس. ها هي الأيام تثبت أن الحرب قد شارفت على نهايتها، وأن فجر الانتصار يلوح في الأفق، وأن كردفان على موعد مع التحرير الكبير، والفاشر قاب قوسين أو أدنى من فك الحصار .
لقد تهيأ الشعب، وكل ولاية جهزت ألف مقاتل مدرّب، في صفوف القوات الخاصة، تدريبات عاليا ، عيونهم على النصر، وقلوبهم على الوطن، لا ينتظرون إلا أمر التحرك من القائد العام. إن السودان اليوم ليس هو سودان الأمس؛ فالأمة قد توحدت، والراية قد ارتفعت، والإرادة قد صُقلت بالنار والحديد.
والغد واعد وصادق ليس بالكاذب، لا ريب فيه.
السودان بعد هذه المحنة لن يكون كما كان، بل سيشهد نهضة شاملة في الاقتصاد، وإصلاحاً عميقاً في المجتمع، وانبعاثاً جديداً في الثقافة. فالحروب، على قسوتها، تصنع أمةً أصلب عوداً وأقوى عزيمة. وما بعد المحنة إلا منحة، وما بعد الليل إلا صبح يشرق بالضياء.
ونهمس في أذن الدكتور جبريل، ونقولها صريحة بلا مواربة: اضرب بيد من حديد. لقد انتهت الحرب العسكرية، وجاءت لحظة الحرب الاقتصادية، وهي حرب أشد وأقسى، لأنها تحدد مصير وطن ومستقبل أمة. لا مجال فيها للتردد ولا وقت للمساومة، فالشعب الذي صبر على الجوع والدمار ينتظر عدلاً في توزيع الثروة، وصرامة في محاربة الفساد، وحكمة في إدارة الموارد. اضرب ياجبريل
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يترنح مرة أخرى في أتون الفوضى والفساد، أو أن ينهض كطائر الفينيق من بين الرماد، أقوى وأبهى وأكثر عزيمة. وما نراه من إرادة صلبة، ومن تضحيات جسام، ومن وحدة متماسكة، يجعلنا نوقن أن السودان اختار طريق النهوض، مهما كانت التضحيات.
فليعلم العالم أن السودان ليس لقمة عصيدة تُبتلع، ولا ثمرة برتقال تُقشر وتُرمى. السودان وطن العزة والكبرياء، إذا جاع يأكل من ترابه، وإذا حُوصر شرب من نيله، وإذا اعتُدي عليه صار أسداً هصوراً لا يُقهر.
والأيام بيننا، وستشهدون قريباً أن فجر النصر قد بزغ، وأن رايات العزة قد رفرفت، وأن السودان دخل مرحلة جديدة تُكتب بمداد المجد والكرامة والنور بإذن الواحد الاحد.
والله المستعان
عبدالشكور حسن احمد
المحامى