الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
الرئيسيةمقالاتالخرطوم.. من مدينة مدمّرة إلى عاصمة اقتصادية جديدة للسودان ...

الخرطوم.. من مدينة مدمّرة إلى عاصمة اقتصادية جديدة للسودان محمد عبدالله عنتر – باحث اقتصادي

لم تعد إعادة إعمار الخرطوم مجرد عملية لإصلاح ما دمرته الحرب من مبانٍ وطرق وشبكات مياه وكهرباء. فالحرب، رغم كلفتها الهائلة، تتيح فرصة تاريخية لإعادة صياغة العاصمة ووظيفتها الاقتصادية، والانتقال بها من مدينة تعاني من التركز والاختناقات إلى عاصمة اقتصادية حديثة، منتجة للثروة وجاذبة للاستثمار.
والخطأ الأكبر هو إنفاق مليارات الدولارات لإعادة إنتاج الخرطوم القديمة بالمشكلات نفسها. المطلوب هو إعادة بناء العاصمة بعقلية استثمارية تجعل من إعادة الإعمار محركاً للنمو، ومن أصول الدولة قاعدة لرأس المال، ومن الشراكة بين القطاعين العام والخاص وسيلة رئيسية للتمويل والتنفيذ.

الشراكة الاستثمارية.. العمود الفقري لإعادة البناء
لن تستطيع الموازنة العامة وحدها تمويل إعادة بناء الخرطوم. كما أن الاعتماد على المساعدات والمنح لن يكون كافياً لبناء عاصمة حديثة. لذلك ينبغي الانتقال إلى نموذج يقوم على تحالف استثماري متكامل يضم الدولة، والشركات الحكومية ذات الجدوى الاقتصادية، والقطاع الخاص السوداني، والمستثمرين العرب والأجانب.
في هذا النموذج لا تكون الدولة مقاولاً لكل المشروعات، وإنما مالكاً للأرض والأصول، ومنظماً للسوق، وشريكاً استثمارياً في المشروعات الاستراتيجية. بينما يوفر القطاع الخاص السوداني المعرفة بالسوق وشبكات الأعمال والقدرة التنفيذية، ويضيف المستثمر الأجنبي رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الإدارية والوصول إلى الأسواق العالمية.
وتصبح الشركات الحكومية المتخصصة، عندما تكون ذات جدوى اقتصادية وحوكمة واضحة، أدوات للدخول في شراكات استراتيجية مع المستثمرين، بدلاً من أن تظل أصول الدولة معطلة أو عبئاً على الموازنة.

الأرض والأصول.. رأس مال وليس مصدراً للإيرادات السريعة
تمتلك الدولة أحد أهم عناصر الجذب الاستثماري: الأرض والأصول العامة.
والأفضل من بيعها لتغطية نفقات قصيرة الأجل هو إدخالها كمساهمات رأسمالية في مشروعات التطوير. فإذا قدمت الدولة الأرض، وقدم المستثمر التمويل والتكنولوجيا والإدارة، يمكن أن تتقاسم الأطراف عوائد المشروع وارتفاع قيمة الأرض الناتج عن التنمية.
وبذلك تتحول الأرض من أصل ساكن إلى رأس مال منتج، وتحافظ الدولة على نصيبها من القيمة التي تصنعها البنية التحتية والاستثمارات الجديدة.
وهذا النموذج يمكن تطبيقه في المدن السكنية، والمناطق التجارية والصناعية، والمراكز اللوجستية، والمستشفيات، والجامعات، والمناطق السياحية.

PPP وBOT.. تمويل التنمية خارج حدود الموازنة
يمكن تنفيذ الجزء الأكبر من مشروعات البنية التحتية من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP ونظام البناء والتشغيل والتحويل BOT.
فالطرق والجسور، والنقل الجماعي، ومحطات المياه والكهرباء، والصرف الصحي، وإدارة النفايات، والمناطق الصناعية، والمرافق الصحية والتعليمية، يمكن أن تتحول إلى مشروعات استثمارية ذات إيرادات واضحة.
المهم هو أن تكون المشروعات قابلة للدراسة الاقتصادية، وأن تتم المناقصات بشفافية، وأن تكون العقود مستقرة وقابلة للتمويل، مع توزيع المخاطر بصورة عادلة بين الدولة والمستثمر.
هنا تصبح مهمة الحكومة تهيئة المشروع القابل للاستثمار بدلاً من انتظار توفر التمويل في الموازنة.

صندوق إعمار وتنمية الخرطوم
ولتنظيم هذه المنظومة، يمكن إنشاء صندوق إعمار وتنمية الخرطوم كمؤسسة مالية واستثمارية مستقلة، لا كحساب حكومي للصرف.
يتكون رأسماله من مساهمات حكومية، وأراضٍ وأصول عامة، ومساهمات القطاع الخاص، واستثمارات عربية ودولية، وتمويل تنموي، إضافة إلى إصدار أدوات مالية مرتبطة بالمشروعات المدرة للإيرادات.
ويستطيع الصندوق الدخول كمساهم في المشروعات الكبرى، وتجميع المشروعات القابلة للاستثمار في حزمة واحدة، ثم طرحها للمستثمرين المحليين والأجانب.
وبذلك يصبح الصندوق منصة لاستقطاب رأس المال وإعادة تدويره داخل الاقتصاد، بدلاً من أن يكون مجرد جهة لإنفاق أموال الإعمار.

مطار دولي.. وبوابة اقتصادية جديدة
من أهم المشروعات التي يمكن تنفيذها بنظام BOT إنشاء مطار دولي حديث يربط السودان بأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ولا ينبغي النظر إلى المطار باعتباره منشأة للنقل الجوي فقط، بل كمجمع اقتصادي يضم الشحن الجوي، والمخازن، والمناطق اللوجستية، والفنادق، والخدمات التجارية والصناعات المرتبطة بالطيران.
مثل هذا المشروع يمكن أن يخلق تدفقات جديدة من التجارة والاستثمار والعملات الأجنبية، ويضع الخرطوم على خريطة مراكز الأعمال الإقليمية.

النقل والخدمات.. من تكلفة عامة إلى استثمار منتج
تحتاج الخرطوم إلى منظومة نقل حديثة تبدأ بالنقل الجماعي وتتطور إلى قطارات حضرية ومترو في المحاور ذات الكثافة العالية.
ويمكن تمويل هذه المشروعات عبر BOT، مع الاستفادة من الإيرادات المتنوعة مثل التذاكر، والإعلانات، والمواقف، والمراكز التجارية، وتطوير العقارات حول المحطات.
وينطبق المنطق نفسه على المياه والكهرباء والنفايات؛ إذ يمكن جذب استثمارات لإنتاج المياه ومعالجتها، والطاقة الشمسية، وتدوير المخلفات وتحويل جزء منها إلى طاقة، مع بقاء الدولة مسؤولة عن التنظيم والرقابة وضمان وصول الخدمة للمواطن.

المواطن جزء من منظومة الاستثمار

لا ينبغي أن تذهب الاستثمارات إلى المشروعات الكبرى فقط. فإعادة بناء الخرطوم تحتاج إلى تمويل عقاري حديث يسمح للمواطن بامتلاك السكن بالتقسيط طويل الأجل، إلى جانب تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا يخلق طلباً واسعاً على البناء والخدمات، ويحول المواطن من متلقٍ للإعمار إلى مشارك في الدورة الاقتصادية.
فالاستثمار في السكن لا يبني المنازل فقط، بل يحرك قطاعات الأسمنت والحديد والنقل والهندسة والمقاولات والخدمات والتمويل.

بيئة استثمار تنافس العواصم الإقليمية
لن يأتي رأس المال لمجرد وجود فرص استثمارية. المستثمر يبحث عن الثقة والاستقرار وسرعة الإجراءات.
لذلك تحتاج الخرطوم الجديدة إلى نافذة استثمارية موحدة، وإجراءات إلكترونية، وحماية واضحة للملكية، وقضاء تجاري فعال، ووضوح ضريبي، وضمانات لتحويل الأرباح وفق القانون، ونظام إقامة جاذب للمستثمرين والكفاءات.
كما يجب أن تُطرح المشروعات الكبرى في حزم استثمارية واضحة، تتضمن الدراسات والجدوى الاقتصادية وحقوق المستثمر والتزامات الدولة ومخاطر المشروع، بحيث يستطيع المستثمر اتخاذ قراره على أساس معلومات شفافة.

الخرطوم.. نقطة الانطلاق إلى اقتصاد سوداني جديد
إذا أُديرت إعادة إعمار الخرطوم بهذه العقلية، فإنها لن تكون مجرد مشروع عقاري أو إنشائي، بل أكبر برنامج اقتصادي بعد الحرب.
استثمار يعني بناءً، والبناء يعني وظائف ودخلاً، والدخل يعني طلباً وإنتاجاً، والإنتاج يخلق إيرادات وصادرات، والصادرات توفر العملات الأجنبية، والعملات الأجنبية تدعم الاستقرار الاقتصادي.
وهنا تتجاوز الخرطوم حدودها المحلية لتصبح منصة لإعادة تشغيل الاقتصاد السوداني وربطه بالأسواق الأفريقية والعربية والدولية.
السودان لا يحتاج إلى إعادة الخرطوم التي كانت قبل الحرب، وإنما إلى بناء الخرطوم التي يحتاجها خلال العقود القادمة: عاصمة اقتصادية متعددة المراكز، حديثة البنية التحتية، مفتوحة أمام رأس المال، تقودها الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي.
إن المشروع الحقيقي ليس (إعمار الخرطوم) فقط، بل تحويل الخرطوم إلى أول مشروع استثماري قومي يعيد بناء الثقة في الاقتصاد السوداني، ويجعل من أصول الدولة وشراكاتها مع المستثمرين محركاً لنمو مستدام يقود السودان نحو المستقبل.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات