الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
الرئيسيةمقالاتسوق عطبرة عندما خنق العسف الجبائي شريان "مدينة الحديد والنار"

سوق عطبرة عندما خنق العسف الجبائي شريان “مدينة الحديد والنار”


إنّ أبواب المتاجر المُغلقة في سوق عطبرة، والأقفال الصدئة التي ألجمت حركته المعتادة، لم تكن احتجاجاً موقوتاً على أرقام مدونة في إورنيك ضريبي؛ إنما كانت صرخة صدمة أطلقها الشريان النابض لمدينة شُيّدت تاريخياً على أضلاع العرق، والعمل، وكرامة العيش. إن قرار التجار بالإضراب الشامل وتجميد الحركة التجارية لم يكن خياراً رفاهياً ولا مناورة سياسية، بقدر ما كانت “دفاعاً مجبراً عن البقاء” بعدما بلغت السياسات الجبائية مدىً لا يُطاق، واستُبدلت المفاهيم الاقتصادية القائمة على رعاية الإنتاج وتسهيل بيئة الأعمال بأسلوب التحصيل المباشر والضرائب الإرهاقية التي تقارب الإتاوات. وتكشف هذه الأزمة عن خلل بنيوي عميق في التفكير الاقتصادي الرسمي؛ حيث تحولت أجهزة الدولة من مركب “المُيسّر والراعي” للنشاط الاقتصادي إلى دور “المحصل القسري”، في لجوء مفرط لتغذية الخزينة العامة عبر الاستئصال المباشر من جيوب المشتغلين بالتجارة—دون مراعاة لمعدلات التضخم الجامح، وتراجع القوى الشرائية، وتداعي سلاسل الإمداد—وهي رؤية قاصرة تؤدي أُكلها حنظلاً؛ فالضريبة في أصل فلسفتها العميقة هي عقد اجتماعي يعيد بموجبه التاجر جزءاً من أرباحه لدعم الخدمات والتنمية، أما عندما تتجاوز الرسوم هامش الربح المعقول لتلتهم رأس المال نفسه، فإنها تتحول قسراً من أداة تنظيمية إلى “إتاوة” تُفرض بأسلوب الجباية القهرية، مما يدفع الاقتصاد المنظم نحو الانكماش، ويُجبر الكفاءات التجارية إما على الهرب نحو الاقتصاد الموازي، أو إغلاق منافذ رزقها بالكامل.
وهذا الشلل الذي أصاب سوق عطبرة لا تقف آثاره عند حدود الخسارة اليومية لتبادل السلع، وإنما يمتد لتجريف شريان حياة يغذي الإقليم برمته؛ إذ يقع الضرر الأكبر لهذا الإضراب على الفئات الأكثر هشاشة من حمالين وعمال نقل وباعة جائلين ، حيث أربك إغلاق السوق حياتهم اليومية وقطع مصدر قوتهم الكفاف، كما يأتي ذلك بالتزامن مع انقطاع سلاسل الإمداد عن القرى والأحياء المعتمدة على عطبرة، مما يرفع أسعار المتوفر ويزيد وطأة المعاناة، ويفاقم تآكل الثقة الاقتصادية التي تدفع رؤوس الأموال للهروب السريع نحو أسواق أكثر أماناً وأقل ضغطاً. من ناحية أخرى تتشابك في هذه الأزمة الزوايا الاقتصادية والاجتماعية والإدارية لتصنع مشهداً قاتماً؛ فغياب الرؤية الكلية لتشجيع الإنتاج واعتماد الحلول السهلة بالجباية المباشرة ينعكس فوراً على التماسك الاجتماعي، حيث يُضطر التاجر المنهك لنقل العبء كلياً إلى ظهر المستهلك النهائي في سوق يعاني أصلًا من الغلاء، بينما يضاعف غياب لغة الحوار والشفافية بين الغرف التجارية والسلطات التنفيذية من عمق الأزمة بسبب القرارات الفوقية التي تفتقر لدراسات الأثر الواقعية.
إن إدارة الدولة لا تُبنى على منطق عصر الحجر لاستخراج الماء، ولكن تقوم على حماية أدوات الإنتاج وصيانة أسباب كسب العيش، فالرعية تُساس بالعدل والتيسير لا بالإرهاق والمشقة؛ ومن هنا نتوجه إلى الحكومة وجهات الاختصاص بصوت الحكمة والحرص الوطني بأن كونوا رحماء بالناس ولا تشقوا على المواطن والتجّار، فالتاجر الذي يغلق باب متجره اليوم لا يفعل ذلك عتوّاً ولا تمرداً، وإنما لأنه بات بين فكي كمّاشة غلاء التكلفة وضعف الشراء من جهة، وسيف الضرائب والرسوم الباهظة من جهة أخرى. إن المراجعة الفورية والشجاعة لهذه التقديرات الضريبية، وفتح أبواب الحوار المسؤول مع الغرف التجارية، وتبني سياسات مالية مرنة تراعي ظروف البلاد الاقتصادية الراهنة، هي خطوات لا بديل عنها لفك هذا الاختناق؛ فارحموا عطبرة وسوقها وأعيدوا لشريانها الحياة قبل أن ينطفئ نبضها التجاري، فرفقاً بالبلاد والعباد، إذ ما شُقّ على الناس في معايشهم إلا وورث ذلك الجفاف والكساد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات