الإثنين, يوليو 20, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة ثلاثة ملايين دولار… والحقيقة بلا ثمن نايلة علي محمد الخليفة

في الحروب لا تُطلق الرصاصات ولا تحلق الطائرات ، ولا تحرك الجيوش وحدها ، فهناك حرب أخرى أكثر خطورة تُدار بالأموال ، وتُشترى فيها المنابر والحناجر ، وتُستأجر فيها الأقلام ، ويُراد لها أن تُعيد كتابة الوقائع بما يتناسب ورواية الممول لا بما جرى على الأرض.

ما كشفه الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف ، في حديثه عن عرض مالي ضخم قال إنه تلقاه عبر وسيط مقرّب من مسؤول إماراتي رفيع هو منصور بن زايد ، مقابل تغيير خطه التحريري تجاه حرب السودان ، ليست شهادة صحفي والسلام ، بل هي شهادة تثير تساؤلات عميقة حول محاولات التأثير في التغطية الإعلامية لقضية بحجم المأساة السودانية ، فالرواية تكشف عن عقلية ترى أن النفوذ المالي قادر على إعادة تشكيل السردية الإعلامية ، حتى وإن تعارضت مع الوقائع.

لم يعد الدور الإماراتي في الحرب السودانية ، وفق الموقف الرسمي والجماهيري السوداني، قضية تحتمل التأويل إذ تؤكد الدولة أنها تستند إلى مضبوطات وأدلة مادية وبشرية جُمعت من ميادين المعارك وتعد إثباتًا لاستمرار دعم مليشيا الدعم السريع ، كما دفعت الخرطوم بهذا الملف إلى ساحات القانون والدبلوماسية ، في حين تواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات المثبتة .

لم يكن السلاح وحده ميدان المواجهة ، بل امتدت المعركة إلى الإعلام والمنظمات ومراكز التأثير ، فما أورده كريستوف ، يشي بان الأمر يتجاوز محاولة التأثير على صحفي بعينه ، ليطرح سؤالًا أكبر إلى أي مدى يمكن للمال أن يعيد تشكيل الرواية ، ويخفف من وقع الجرائم ، ويبدل مواقع الضحية والجاني في نظر العالم ،
وفي الداخل السوداني ، برزت كذلك مواقف وتحركات لقوى سياسية ، من بينها مجموعة صمود بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك ، التي تبنت خطابًا يتوافق مع السردية التي تخدم الدعم السريع ، في وقت كانت فيه المدن تُدمر ، والقرى تُهجّر ، والمواطن السوداني يدفع وحده ثمن الحرب ،
يبدو أن هناك من يعتقد أن كل شيء قابل للبيع المواقف ، والضمائر وحتى ذاكرة الشعوب ، إلا انهم نسوا أن السودانيين ليسوا بحاجة إلى تقارير مدفوعة الأجر ليعرفوا من أحرق بيوتهم ، ولا لمعرفة من سبى وانتهك اعراض حرائرهم ، ولا إلى حملات تلميع ليميزوا بين الضحية والجاني ، فما شهدته الأعين شهادة اكبر من تمحوها الأموال ، وما سجلته الوقائع لا تزيله الحملات الإعلامية.

لقد نجحت الأموال عبر التاريخ ، في استمالة أفراد والتأثير في مواقف ، وتحسين صور أنظمة أمام الرأي العام ، لكنها ظلت عاجزة عن شراء الحقيقة كاملة ، فالحقيقة لا تُقاس بحجم التحويلات المالية ، ولا بعدد شركات العلاقات العامة ، بل بما تثبته الوقائع على الأرض ، وبما يبقى شاهدًا في ذاكرة الشعوب ،
ولعل أهم ما تكشفه قصة “الثلاثة ملايين دولار” ليس قيمة المبلغ ، وإنما قيمة المبدأ ، فحين يرفض صحفي ، وفق روايته ، عرضًا بهذا الحجم ، فإنه يبعث برسالة إلى العالم مفادها أن الحقيقة لا تُقاس بالأرقام ، وأن الضمير المهني لا يُسعَّر بالدولار.

يبقى السودان رغم جراحه ، شاهدًا على أن الحروب قد تُشعلها المصالح ، وقد تُدار بالأموال ، لكن نهايتها يكتبها التاريخ ، والتاريخ لا يكتب إلا بما حدث فعلًا يا ابن زايد ، لا بما أراد أصحاب المال أن يصدقه العالم… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات