في بعض المواقع، لا يحتاج الرجل إلى أن يرفع صوته حتى يُسمع، ولا إلى أن يكثر من الظهور حتى يُعرف. يكفي أن يؤدي عمله بإتقان، وأن يحمل الأمانة كما ينبغي، وأن يترك خلفه أثراً لا يحتاج إلى ضجيج ليُرى. هكذا عرفنا الأستاذ معتصم علي الشيخ. رجل يعمل بلا ضجيج، ويبحث باستمرار عن أيسر الحلول للمشكلات المعقدة. كانت تلك واحدة من سماته منذ أن جاء إلى إدارة امتحانات السودان قادماً من مدرسة الخرطوم التجارية، ليجد نفسه وسط واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية ودقة، وتحت قيادة جيل من عمالقة امتحانات الشهادة السودانية.
فتاريخ إدارة امتحانات السودان ليس تاريخ مديرين ومكاتب وقرارات فحسب؛ إنه تاريخ طويل من أبطال الظل، أولئك الذين تعلموا أن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام، وأن بعض أسرار العمل لا تحتمل التداول، وأن طرق الأبواب المغلقة تحتاج إلى مفاتيح خاصة. هناك لغة أخرى يتعلمها العاملون في الامتحانات…
لغة العيون، وإشارات اليد، والصمت الذي يفهمه من يعمل داخل المنظومة. كيف لا، والأمانة هي امتحانات الشهادة الثانوية السودانية امتحانات تقوم على الدقة والنزاهة والأمانة وشرف المهنة، ولا يعرف تفاصيل العمل فيها حق المعرفة إلا من عاشها من الداخل. تفاصيل كثيرة لا يراها الطالب، ولا ولي الأمر، ولا حتى كثير ممن يتابعون إعلان النتائج؛ لكنها تصنع في النهاية امتحاناً وطنياً تتعلق به أحلام آلاف الأسر.
في تلك البيئة عرفنا الأستاذ معتصم علي الشيخ… معلماً وعلماً. عرفناه بجسده النحيل، وسمارة السوداني الأصيل، وبشهامة وكرم أهله الطيبين، وبهدوء لا يخفي صرامة حين يتعلق الأمر بالعمل. تدرج في إدارة الامتحانات حتى بلغ قمتها، ولم يكن طريقه إلى هناك طريق رياء أو نفاق أو تملق. كان طريقاً طويلاً من العمل، والخبرة، والمعرفة بتفاصيل مؤسسة لا تمنح أسرارها بسهولة. كانت البداية في عهد الأستاذ الأنيق أحمد بر محمد؛ ذلك الرجل المهندم، المنظم، الذي لا تكاد تراه إلا في كامل أناقته، وتزين صدره رابطة عنق لا تفارقه. كان دقيقاً في التفاصيل، وحمل أمانة إدارة الامتحانات ردحاً من الزمن. ثم تعاقب على الإدارة رجال، لكل واحد منهم حكايته وبصمته. مهدى الصديق هارون ..عدلان احمد.. الياس كدو ..بابكر موسى ..معتز احمد العركى ..معاوية..عبدالله حامد..ماهر..وهيب عجيب ..عمر سيد احمد….محمد حسن قرناص ..طه محى الدين شرقاوى ..حيدر محمد محجوب…عبدالعظيم فتح الرحمن ..عايدة عبد المجيد مصطفى…نور ..خالد على عثمان …نايل محمد نايل…صلاح الطيب ..الهندي ابو قرون..معتصم عباس..ستنا..عادل محمود.. وليد حامد…هاشم الأمين..يوسف الطاهر..مولانا…عبد العزيز ..واعتذر لمن فاتني ذكره…الذاكرة تخون في بعض الاحيان
وتعاقب على ادارة الامتحانات قامات سامقة
عبد العزيز محي الدين..امين خضر الزين ..صلاح عبد القادر ..امام التهامي ..عوض صالح النو.. محمد احمد حميدة …مختار محمد مختار .. محمود ابراهيم…اسماعيل شكاك…محمود سرالختم الحوري …عماد عبد القادر
أسماء ربما لا يعرفها معظم السودانيين، لكنها بالنسبة لمن عاشوا داخل إدارة الامتحانات أسماء مرتبطة بسنوات من العمل الشاق، والقلق، والسرية، والمسؤولية. ذلك هو اسلوب عمل إدارة الامتحانات كل السودان يعرف نتيجة الامتحان، لكن القليل يعرف من يقف خلف النتيجة. وهنا تحديداً تختلف تجربة معتصم علي الشيخ. فقد جاءت فترته في واحدة من أصعب مراحل تاريخ السودان الحديث؛ زمن الحرب، وتشتت الطلاب، وتكدس الدفعات، وتعقيدات مراكز الامتحانات، وتعدد الظروف الاستثنائية. كان يمكن لكل ذلك أن يكون مبرراً للضجيج. لكنه اختار الصمت. كان يمكن أن تصبح الأزمات اليومية مادة للتبرير، لكنه ظل يبحث عن الحل. وكان يمكن أن تتقدم الظروف على المؤسسة، لكنه ظل يحاول أن يجعل المؤسسة قادرة على التعامل مع الظروف. وهذه ربما واحدة من أهم صفات رجل الامتحانات الحقيقي أن يعمل تحت الضغط دون أن يسمح للضغط بأن يهزم الدقة. لا يكاد المواطن السوداني يعرف اسم مدير عام الامتحانات.
وربما هذه هي المفارقة الأجمل في قصة معتصم علي الشيخ. إنه مدير عام لمؤسسة يعرف كل السودانيين نتائجها، بينما لا يعرف أغلبهم اسم الرجل الذي يقف على رأسها. يعمل بلا حس ولا خبر. لا صورة يومية، ولا تصريحات كثيرة، ولا حضور صاخب. فقط مكتب، وملفات، وطلاب، وأوراق، وقرارات، وهواتف لا تهدأ، وأبواب يجب أن تُفتح، ومشكلات يجب أن تجد طريقها إلى الحل. ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لـ أبطال الظل. أشخاص لا يبحثون عن الضوء، لأنهم يعرفون أن مهمتهم ليست أن يظهروا في الصورة، وإنما أن تصل الصورة إلى نهايتها الصحيحة. وحين يتعلق الأمر بالامتحانات، فإن «النهاية الصحيحة» ليست مجرد إعلان نتيجة. إنها شهادة يحملها طالب، ودمعة أم، وفرحة أب، وبداية جامعة، وربما بداية حياة كاملة. لذلك فإن تكريم معتصم علي الشيخ ليس تكريماً لشخص واحد فقط. إنه تكريم لمدرسة كاملة من رجال ونساء عملوا في صمت، وحملوا أمانة الامتحانات السودانية جيلاً بعد جيل. مدرسة آمنت بأن شرف المهنة أكبر من شهرة صاحبها، وأن أفضل نجاح هو ذلك الذي يعرفه الناس من أثره، لا من صاحبه. ولأن الرجل الذي يعمل في الظل لا يجد دائماً من يقول له شكراً… نقولها نحن. شكراً للأستاذ معتصم علي الشيخ. شكراً لأنك كنت امتداداً لجيل العمالقة. وشكراً لأنك حملت الأمانة في زمن لم تكن فيه الظروف رحيمة. وشكراً لأنك أثبت أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى الضجيج كي يتركوا أثراً. يكفيهم أنهم حين يصل دورهم إلى النهاية…تكون الأمانة قد وصلت معهم إلى بر الأمان.
