ليست كل الهزائم نتائج عسكرية فقط فبعض المعارك تتحول مع مرور الزمن إلى مرآة تكشف للأمم نقاط ضعفها والأثمان التي تدفعها عندما تتأخر عن فهم التحولات الكبرى.
وتبقى كرري واحدة من تلك اللحظات الفاصلة في التاريخ السوداني.
بعد 128 عاماً على معركة الثاني من سبتمبر 1898 لا ينبغي أن تقتصر قراءتنا لكرري على تمجيد البطولة فشجاعة رجالها أمر حسمه التاريخ. والسؤال الأهم اليوم هو ماذا تكشف كرري عن طبيعة القوة وعن ثمن التأخر في مواكبة تحولات العالم؟
فجوة القوة
لم تكن المشكلة في غياب الإرادة أو الشجاعة بل في فجوة هائلة في التسليح والتنظيم والتكنولوجيا والتخطيط وإدارة الموارد. هنا يبقى الدرس القاسي: الإرادة وحدها لا تعوّض اختلال ميزان القوة. فالأمم لا تُهزم دائماً لأنها تفتقر إلى الشجاعة بل قد تُهزم لأنها تتأخر في إدراك أن أدوات القوة قد تغيرت. والدولة القوية لا تعتمد على بطولة الأفراد وحدها بل تبني مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة وإدارة الموارد واستباق الأزمات.
القوة في عصر جديد
لم تعد القوة اليوم تقاس بالسلاح وحده. فقد تكون فجوة القوة في جامعة لا تنتج المعرفة أو نظام تعليمي يخرّج شهادات بلا قدرات أو اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج أو مؤسسات تفتقر إلى الكفاءة والتخطيط.
إن القوة الحديثة تُبنى في المدارس والجامعات والمختبرات والمصانع والشركات التقنية والمؤسسات المالية ومراكز البحث وصناعة القرار. والدولة التي تبدأ في بناء قدراتها عند وقوع الخطر تبدأ غالباً متأخرة.
السودان: من النجاة إلى بناء الدولة
السؤال السوداني اليوم ليس فقط: كيف نتجاوز الأزمة ؟ بل أي دولة نريد أن نبني بعدها؟
يمتلك السودان موارد بشرية وطبيعية هائلة لكن الموارد وحدها لا تصنع قوة وطنية. ما يحولها إلى قوة حقيقية هو التعليم المنتج والاقتصاد الحقيقي والبحث العلمي والتكنولوجيا والمؤسسات القوية والكفاءة والمساءلة والتخطيط الاستراتيجي.
فحماية الوطن لا تبدأ عند الحدود فقط بل تبدأ في المدرسة والجامعة والمصنع ومركز البحث ومؤسسات الدولة.
بعد 128 عاماً يبقى درس كرري واضحاً لا تدخلوا المستقبل بأدوات الماضي.
احتفظوا بالشجاعة لكن أضيفوا إليها المعرفة والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد المنتج والتخطيط والمؤسسات. فالشجاعة قيمة عظيمة لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما تحرسها القوة. إن كرري تعلمنا أن الإرادة تحتاج إلى قدرة والقدرة تحتاج إلى معرفة والمعرفة لا تصبح قوة إلا داخل دولة تعرف ماذا تريد. ولعل أعظم وفاء لشهداء كرري ألا نكتفي بتخليد بطولتهم بل أن نبني سوداناً لا يضطر أبناؤه في معارك المستقبل إلى مواجهة فجوات القوة بالشجاعة وحدها سوداناً يمتلك المعرفة قبل الأزمة والمؤسسات قبل التحدي والقدرة قبل المواجهة والرؤية قبل أن يفرض الآخرون عليه قواعد اللعبة. فالتاريخ لا يطلب منا أن نعيش في الماضي بل أن نتعلم منه.
د. نفيسة إبراهيم الأمير
