الخميس, يوليو 2, 2026
الرئيسيةمقالاتالمشهد السوداني: آفاق التعافي الاقتصادي في ظل التحولات الميدانية في دارفور وكردفان...

المشهد السوداني: آفاق التعافي الاقتصادي في ظل التحولات الميدانية في دارفور وكردفان بقلم/ عميد شرطة (حقوقي)م. محمد علي عبدالله عبد الدائم

الأبعاد الاقتصادية للتحركات الميدانية في دارفور وكردفان

اقتصاد “تحت الركام”

  • شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات ميدانية لافتة في إقليمي دارفور وكردفان، تمثلت في تحركات للقوات المشركة والجيش السوداني، كان آخرها إعلان استعادة السيطرة على مناطق مثل “كلبس” بغرب دارفور، تأتي هذه التحركات في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من انهيار هيكلي، حيث تضاعف سعر صرف الدولار منذ اندلاع النزاع ليصل إلى مستويات قياسية (تجاوزت 4,000 جنية للدولار في أبريل 2026)، وسط تدمير شبه كامل للبنى التحتية الإنتاجية.

المحاور الاقتصادية للنزاع في الإقليمين

  • لطالما شكل إقليما دارفور وكردفان “العمود الفقري” للموارد الطبيعية في السودان، وتحول هذا الثراء إلى “وقود للحرب” وفقاً لتقارير اقتصادية حديثة:
  • اقتصاد الذهب والرسوم غير الرسمية: تسيطر أطراف النزاع على مناجم الذهب مع انتشار شبكات التهريب مما يغذي قدراتها على الاستمرار في القتال بدلاً من دعم الخزينة العامة.
  • الصمغ العربي والثروة الحيوانية: تعد هذه المناطق المصدر الرئيسي للصمغ العربي والثروة الحيوانية التي تصدر للأسواق، فرض “رسوم عبور” غير رسمية أدى إلى تجفيف العوائد الحكومية الرسمية وتحويل مساراتها لتمويل المجهود الحربي.
  • انهيار القطاع الزراعي: أدى النزوح الجماعي (الذي يهدد ملايين العائدين والنازحين) وانعدام الأمن الغذائي إلى توقف الأنشطة الزراعية التي كانت تساهم بمليارات الدولارات في الناتج الإجمالي سنوياً.

أثر “التحرير” على الاقتصاد الوطني: بين التفاؤل والواقع

تطرح استعادة السيطرة على مناطق في دارفور وكردفان تساؤلات حول إمكانية استعادة التعافي الاقتصادي، ويمكن تحليل ذلك عبر مستويين:

1. الأثر المباشر (قصير المدى):

  • فتح ممرات الإغاثة: ساهم توسيع معبر “آدري” الحدودي مع تشاد في تخفيف حدة الأزمة الإنسانية والمجاعة التي تهدد الإقليمين. هذا لا ينعش الاقتصاد مباشرة لكنه يقلل من تكلفة “إدارة الكارثة”.
  • الاستقرار الأمني المحدود: يسمح ببدء عمليات تقييم الأضرار في البنية التحتية الأساسية مثل (الكهرباء والمياه)، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات التمويل لإرجاع الخدمات متكاملة.
  • استعادة الموارد الوطنية: في حال استقرار الأوضاع الأمنية بشكل دائم، يمكن للدولة استعادة السيطرة على مناطق إنتاج الصمغ العربي وتصدير الثروة الحيوانية، وهو ما يمثل طوق النجاة للميزانية العامة المنهكة.
  • مخاطر “اقتصاد الحرب”: يرى خبراء اقتصاد أن العمليات العسكرية المحدودة لا تكفي للنهوض بالاقتصاد ما لم يتبعها “حل سياسي شامل” ينهي فوضى التسلح ويضع حداً لشبكات التهريب التي تستنزف موارد البلاد منذ 2023.

تحديات ما بعد السيطرة:

على الرغم من الأنباء عن مكاسب ميدانية على أرض الواقع لصالح القوات المسلحة السودانية، إلا أن الاقتصاد لا يزال يواجه تحديات في التعافي في دارفور وكردفان وهي عقبات جوهرية تتمثل في الآتي:

  • النزوح والبطالة: ارتفاع معدلات البطالة إلى أكثر من 47% مما يجعل من الصعب إعادة دمج القوى العاملة في دورة إنتاجية حقيقية.
  • الدمار الاجتماعي: تدمير المدارس والمستشفيات يعني أن “رأس المال البشري” في الإقليمين يحتاج لسنوات طويلة من إعادة تأهيل والإعمار.
  • الهشاشة الأمنية: التحذيرات الأممية من تفشي الأوبئة (مثل الكوليرا) وتوقف الخدمات الطبية الأساسية في عواصم الولايات مثل الأبيض، تشير إلى أن المعركة الاقتصادية لا تقل ضراوة عن المعركة العسكرية.

خلاصة الأمر:

إن استعادة مناطق في دارفور وكردفان تمثل “فرصة تقنية” لاستعادة الموارد، لكن الأثر الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق إلا بتحويل هذه المناطق من ساحات صراع إلى “مناطق آمنة للإنتاج” وهو ما يتطلب الانتقال من معادلة “السيطرة العسكرية” إلى استراتيجية “التنمية وإعادة الإعمار”.


بقلم
عميد شرطة (حقوقي)
م. محمد علي عبدالله عبد الدائم

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات