في ظل استمرار الحرب في السودان وما خلفته وما تزال تخلفه من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، تبرز الحاجة إلى مراجعة واستكمال البنية التشريعية الوطنية باعتبارها خطوة لا ينبغي انتظار انتهاء العمليات العسكرية للبدء فيها.
فالإعداد لمرحلة ما بعد الحرب لا يقتصر على إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية، وإنما يشمل كذلك تهيئة منظومة العدالة القادرة على التعامل مع إرث الانتهاكات، وضمان حق الضحايا في العدالة والإنصاف، ومنع إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب. ومن ثم فإن مواءمة التشريعات الوطنية مع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي ينبغي أن تبدأ من الآن، بما يعزز قدرة القضاء الوطني على الاضطلاع باختصاصه الأصلي في التحقيق والملاحقة والمحاكمة، ويحول دون أن تصبح الثغرات التشريعية أو قصور النصوص عائقاً أمام تحقيق العدالة
وقد التزم السودان باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 منذ عام 1957، كما أصبح طرفاً في البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني في عام 2006.
وتفرض هذه الصكوك التزامات على الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.
وتكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة في الحالة السودانية، إذ إن تطوير التشريع الوطني لا يمثل مجرد استجابة للمعايير الدولية، وإنما يوفر الأساس القانوني الذي يمكّن مؤسسات العدالة الوطنية من مباشرة اختصاصها في مواجهة الجرائم التي ارتكبت أثناء النزاع
ولم يكن المشرع السوداني بعيداً عن هذا الاتجاه، فقد أُدخلت في القانون الجنائي لسنة 1991، بموجب تعديلات عام 2009، أحكام تتعلق بالجرائم الدولية، من بينها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
غير أن إدراج هذه الجرائم في التشريع الوطني لا يمثل نهاية عملية المواءمة، إذ تظل الحاجة قائمة إلى مراجعة دقيقة للنصوص للتأكد من اتساق عناصر الجرائم وعقوباتها وقواعد المسؤولية عنها مع الالتزامات الدولية، وإزالة ما قد يوجد من قصور أو تعارض أو شروط إضافية يمكن أن تعرقل الملاحقة الجنائية
ومن أهم المسائل التي تستوجب المراجعة التشريعية ما يتعلق بتعريف جريمة الإبادة الجماعية، إذ أورد القانون الجنائي السوداني ضمن تعريفها ارتكاب الفعل «في سياق سلوك منهجي واسع»، وهو ما قد يؤدي إلى الخلط بينها وبين الجرائم ضد الإنسانية، باعتبار أن الطابع الواسع أو المنهجي يرتبط بعناصر الجرائم ضد الإنسانية. ولذلك تبرز ضرورة مراجعة النص بما يزيل هذا الخلط ويضمن توافق عناصر جريمة الإبادة الجماعية في التشريع الوطني مع مفهومها في القانون الدولي، ولا سيما أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تعرف الجريمة من خلال أفعال محددة ترتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً، بصفتها تلك، دون أن تجعل من كون السلوك واسع النطاق أو منهجياً عنصراً مستقلاً من عناصر الجريمة.
ومن ثم فإن إزالة هذا الشرط من النص الوطني، أو إعادة صياغته بما يتفق مع التعريف الدولي، من شأنه أن يحول دون تحميل جريمة الإبادة الجماعية عناصر ليست من مكوناتها، أو الخلط بينها وبين الجرائم ضد الإنسانية، بما قد يؤدي إلى زيادة غير مبررة في عبء الإثبات ويعوق الملاحقة الجنائية.
وتستوجب المواءمة كذلك تطوير النصوص الخاصة بالجرائم الجنسية والتعذيب، بالنظر إلى خطورة ارتكاب هذه الأفعال في سياق النزاعات المسلحة.
فالاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي يمكن، متى توافرت عناصرها والسياق القانوني المطلوب، أن تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، كما يمثل التعذيب أحد الأفعال التي يجرمها القانون الجنائي الدولي في سياقات محددة.
ومن ثم فإن تعزيز الحماية الجنائية الوطنية يقتضي تجريم هذه الأفعال بصورة واضحة، وتشديد المسؤولية عنها متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين أو في سياق نزاع مسلح، بما يضمن عدم التعامل معها باعتبارها مجرد جرائم فردية معزولة متى كانت جزءاً من نمط أوسع من الانتهاكات. كما أن إدراج التعذيب كجريمة مستقلة، بما يحدد أركانها وصورها وأحكام المسؤولية عنها بصورة واضحة، يمثل جانباً مهماً من جوانب تعزيز الحماية الجنائية، ولا سيما في ضوء خطورة التعذيب وما قد يرتبط به من انتهاكات أخرى أثناء الاحتجاز أو التحقيق..
ومن المسائل التي تستوجب المراجعة أيضاً الصياغات المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية في قانون القوات المسلحة لسنة 2007، ولا سيما مدى اتساقها مع المعيار الدولي.
فنظام روما يربط الجرائم ضد الإنسانية بوقوع هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، وليس باشتراط اجتماع الوصفين معاً. والفرق بين «الواو» و«أو» هنا ليس مجرد اختلاف لغوي، وإنما يمكن أن تكون له آثار قانونية مباشرة على عناصر الجريمة وعبء الإثبات ونطاق المسؤولية الجنائية. ولذلك فإن مراجعة النص الوطني بما يزيل أي تضييق غير مبرر لنطاق التجريم تعد من مقتضيات المواءمة التشريعية، بما يضمن عدم جعل الحماية الجنائية الوطنية أضيق من المعايير الدولية ذات الصلة
ومن أخطر الثغرات التي ينبغي معالجتها مسألة التقادم.
فالقانون السوداني، رغم التعديلات التي أُدخلت على قانون الإجراءات الجنائية في عام 2020، وتعديل آخر على ذات المادة في عام 2025، والتي استثنت بعض الجرائم من التقادم، لم يدرج الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ضمن الاستثناءات بصورة صريحة وشاملة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل طبيعة النزاع المسلح وما يصاحبه من نزوح جماعي، وتعطل مؤسسات العدالة، وصعوبة الوصول إلى الضحايا والشهود والأدلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف الجرائم والتحقيق فيها.
ومن ثم فإن النص صراحة على عدم سريان التقادم على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب يمثل ضمانة أساسية لمنع الإفلات من العقاب، ويحول دون استفادة مرتكبي أخطر الجرائم من الظروف الاستثنائية التي حالت دون مباشرة الإجراءات في وقتها.
كما يتسق ذلك مع الاتجاه الذي كرسه القانون الجنائي الدولي، ومنه نظام روما الأساسي بالنسبة إلى الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وإن كان السودان ليس طرفاً في نظام روما، ومن ثم ينبغي الاستناد إليه باعتباره معياراً مهماً من معايير القانون الجنائي الدولي، لا باعتباره مصدراً مباشراً لالتزام تعاهدي على السودان.
ولا تقتصر المواءمة المطلوبة على تعديل النصوص الموضوعية، وإنما ينبغي أن تمتد إلى منظومة العدالة الجنائية بأكملها، من التحقيق والنيابة إلى القضاء وتنفيذ الأحكام.
فوجود النص الجنائي وحده لا يكفي إذا لم تتوافر مؤسسات قادرة على تطبيقه بصورة مستقلة وفعالة، وأجهزة تحقيق مؤهلة لجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم الدولية، وأعضاء نيابة وقضاة يمتلكون المعرفة المتخصصة بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
كما تقتضي المرحلة القادمة بناء آليات لحماية الشهود والضحايا وحفظ الأدلة، وتطوير وسائل التحقيق في الجرائم التي ارتكبت في مناطق النزاع، بما يضمن عدم ضياع الأدلة بمرور الوقت، ويتيح للعدالة الوطنية التعامل مع الجرائم المعقدة التي قد تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية.
إن تعزيز الاختصاص الوطني لا يتعارض مع القانون الجنائي الدولي، بل يمثل أساساً مهماً له، فالمبدأ الذي يستند عليه نظام روما هو مبدأ التكاملية، ومؤداه أن القضاء الوطني يحتل موقعاً أساسياً في التحقيق والمحاكمة، بينما يتدخل القضاء الجنائي الدولي في الحالات التي تتوافر فيها شروط اختصاصه، وبالأخص عندما تكون الدولة غير راغبة أو غير قادرة بصورة حقيقية على إجراء التحقيق أو المحاكمة، ومن ثم فإن بناء قضاء وطني قادر ومستقل ومواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما استجابة لضغوط خارجية، وإنما باعتبارهما تعبيراً عن سيادة القانون وحق الدولة في ممارسة ولايتها القضائية على الجرائم التي تقع في إقليمها، وحق الضحايا في الوصول إلى العدالة داخل وطنهم
ومن هنا، فإن مواءمة القوانين الوطنية ليست مهمة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب، وإنما هي جزء من الاستعداد القانوني لمرحلة السلام والعدالة.
فكلما بدأ إصلاح التشريعات والمؤسسات مبكراً، زادت قدرة الدولة على حفظ الأدلة، وملاحقة مرتكبي الجرائم، وإنصاف الضحايا، واستعادة الثقة في مؤسسات العدالة.
أما ترك الثغرات التشريعية دون معالجة إلى حين انتهاء النزاع فقد يؤدي إلى إطالة أمد الإفلات من العقاب، ويقوض فرص المصالحة والسلام المستدام.
ولذلك فإن استكمال البنية التشريعية الوطنية، ومواءمتها مع اتفاقيات جنيف واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية وغيرها من قواعد القانون الدولي ذات الصلة، والاستفادة من معايير القانون الجنائي الدولي، ينبغي أن يكون جزءاً أصيلاً من مشروع بناء الدولة السودانية بعد الحرب، بما يجعل القضاء الوطني قادراً على أداء دوره في تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم، دون حصانة أو إفلات من العقاب.
#السودان
#المجد_نيوز
