الإثنين, أغسطس 17, 2026
الرئيسيةمقالاتحرب السودان بين نظرية التآمر والدعوة للسلام ...

حرب السودان بين نظرية التآمر والدعوة للسلام تقرير : محمد علي عبدالله عبد الدائم

مقدمة: مشهد معقد ومستنقع ممتد

علي وقع قرع الطبول العسكرية المستمرة واتساع رقعة المعارك التي تجاوزت حدود العاصمة لتلتهم مناطق واسعة من كردفان ودارفور، تقف الأزمة السودانية اليوم أمام مفترق طرق بالغ الدقة والخطورة. فعلي مدار سنوات الحرب، لم يعد الصراع محصوراً بين بندقية الجيش وميليشيا الدعم السريع فحسب، بل تحول إلي ساحة واسعة لتجاذبات فكرية وسياسية وإقليمية عميقة. تتارجح البلاد بين سرديتين طاغيتين الأولي تغذيها “نظرية التآمر” ومخاوف استهداف السيادة الوطنية عبر هندسة صفقات مشبوهة، والثانية تنادي بـ “السلام العاجل” لإنقاذ ملايين المدنيين من براثن المجاعة والنزوح.

أولاً: سردية “نظرية التآمر” وفخ التبعية

تجد نظرية التآمر رواجاً واسعاً في الخطاب الرسمي والشعبي المؤيد لمؤسسات الدولة، حيث ينظر إلي الحرب الحالية باعتبارها حلقة في سلسلة استهداف إستراتيجي للبنية الجيوسياسية والاقتصادية للسودان، لاسيما بخصوص موقعه الإستراتيجي علي ساحل البحر الأحمر وممراته الملاحية العالمية.

  • مؤامرة السلام التكافئ: يري محللون ومستشارون سياسيون أن بعض المبادرات الدولية للسلام تخفي خلف شعاراتها الإنسانية أهدافاً تهدف إلي تقويض سيادة الدولة وتفريغ مؤسساتها، أو فرض تسويات غير متكافئة تساوي بين الجيش الوطني (مؤسسة شرعية دستورية) وقوة متمردة خارجة عن القانون.
  • خيوط التدخل الخارجي: تعزز التقارير المستمرة حول شبكات التمويل العابرة للحدود، وتدفق الإمدادات عبر مسارات إقليمية، قناعة الشارع السوداني بأن الحرب ليست نزاعاً محلياً معزولاً، بل هي حرب وكالة وأطماع إقليمية ودولية تستهدف تقاسم النفوذ والثروات مثل الذهب والموقع الإستراتيجي.
  • رفض الابتزاز: يترجم هذا التيار الدعوات إلي مفاوضات فورية غير مشروطة بأنها “فخ” يهدف إلي شرعنة الأمر الواقع العسكري للميليشيات، مما يجعل الخطاب الوطني يميل أكثر فأكثر نحو “الحسم العسكري” كخيار وحيد لاستعادة هيبة الدولة وصون سيادتها.

ثانياً: أصوات الدعوة للسلام ومأساة المدنيين

في المقابل، يرتفع صوت الداعين للسلام (سواء عبر منظمات محلية، أو منصات سياسية مثل تنسيقية قوى الديمقراطية المدنية “تقدم”، أو حراكات المجتمع المدني) محذراً من أن استمرار الرهان علي الحسم العسكري المطلق لن يؤدي إلا إلى تدمير ما تبقي من النسيج الوطني والبنية التحتية.

  • الكارثة الإنسانية كأولوية: ينطلق دعاة السلام من أرقام مفزعة تخص ملايين النازخين والاجئين وتفشي المجاعة والأوبئة في دارفور وكردفان والجزيرة، وبالنسبة لهذه القطاعات، فإن التفاصيل السياسية ونظريات المؤامرة تتبخر أمام حقيقة موت الأطفال ونقص الغذاء والدواء.
  • إشكالية الشعارات والشكوك: واجهت شعارات “لا للحرب” التي رفعت منذ الشهور الأولي للنزاع الكثير من التشكيك والاتهامات الشعبية بالانحياز المبطن أو تجاهل الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها قوات الدعم السريع بحق المدنيين، مما جعل خطاب السلام التقليدي يفقد جزءاً من مصداقيته لدي القطاع الأوسع من السودانيين الذين يطالبون بسلام بشروط وطنية عادلة لا بسلام الاستسلام.
  • معادلة السلام الواقعي: يري طيف من الخبراء أن الحل المستدام يجب أن يقوم علي مجرد “هدنات هشة” أو صفقات فوقية بل يستند إلي مبادئ واقعية تحمي المدنيين وتخرج ميليشية الدعم السريع من الأعيان المدنية كشرط مسبق لأي حوار سياسي حقيقي يحفظ وحدة السودان ومواطنته المتساوية.

ثالثاً: المشهد الميداني والسياسي الراهن (تأزم الخيارات)

مع دخول الحرب مراحل جديدة من التصعيد المتبادل وتفضيل قيادة الجيش لخيار العمليات البرية الواسعة لتطهير المدن والمحاور في إقليمي كردفان ودارفور، يتراجع هامش المناورة الدبلوماسية مؤقتاً لصالح لغة السلاح، وفي المقابل، تتراجع فرص المبادرات الإقليمية والدولية مثل محاولات الرباعية والمنصات الإقليمية جراء تضارب المصالح وغياب الضمانات الحقيقية لتنفيذ الاتفاقات.

خاتمة الأمر:

إن حرب السودان اليوم تضع مفهوم “الوطنية والسلام” في اختبار عسير فبين هواجس التآمر التي تحتم علي الدولة حماية سيادتها ورفض الإملاءات الخارجية، وبين صرخات السلام التي تحث علي وقف نزيف الدماء المستمر، يبدو أن الحل لا يكمن في الاستسلام لأجندات الخارج، ولا في تجاهل الكلفة الإنسانية الكارثية للحل العسكري المنفرد.

إن المخرج الحقيقي يبقي محصوراً في بلورة “مشروع وطني سوداني خالص” يوازن بين استعادة هيبة السيادة الوطنية وكرامة المواطن، وقطع الطريق أمام أي وصاية إقليمية أو دولية تحاول إعادة صياغة مستقبل السودان فوق أشلاء شعبه.


بقلم: عميد شرطة (حقوقي) م.

محمد علي عبدالله عبد الدائم

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات