تتكسر على صخرة الواقع السوداني اليوم كل معاني الإنسانية، وتتقاطع مآسي الحرب الطحونة مع ممارسات داخلية لا تقل ضراوة عن رصاص الميليشيات. فبينما يعاني الشعب من مرارة النزوح وضياع الاستقرار، تطل علينا شرذمة منتفعة تسعى لامتصاص ما تبقى من دماء هذا الشعب الأبي؛ حيث لم يستغل هؤلاء غياب القانون بقدر ما استغلوا ظرفاً وطنياً حرجاً وانشغال قواتنا المسلحة والأجهزة النظامية في معركة الكرامة ومطاردة ميليشيات الدعم السريع. لقد اتخذ هؤلاء من هذا الظرف الاستثنائي سانحة للغدر، وأصبحوا يلهثون جشعاً ليقتاتوا على حساب آلام البسطاء عبر طرق احتيال ممنهجة تستهدف سكان القرى والأرياف الذين أنهكهم شظف العيش.
وحين تشتد الأزمات، تبرز قرى السودان العريقة كرمز للتمسك بالأرض والجذور، وهنا تحديداً تبدأ فصول المؤامرة الدنيئة؛ إذ يدرك المحتالون تماماً أن المواطن البسيط في الريف يعلق قلبه وروحه بتراب مسقط رأسه، ويعتبره العرض والهوية و”طوق النجاة” الوحيد. ومستغلين هذه العاطفة النبيلة، وطيبة بعض الأهالي وحسن نيتهم الفطرية، يبدأ هؤلاء المرتزقة في نسج الأوهام الخادعة وتسويق التخطيط المنهجي الخبيث؛ حيث يوهمون الضحايا بأن سداد هذه المبالغ المقتطعة يُعد خطوة مفصلية ستتوج بالتكليل والنجاح، وبأنها البوابة الذهبية لقيام مشاريع استثمارية ضخمة وصروح خدمية واعدة ستسد رمقهم وتؤمن أرباحاً تجعلهم في رغد من العيش وتُخرجهم من ضيق واقعهم المتردي.
غير أن هذه الوعود البراقة ليست سوى مصيدة مُحكمة وشباك نصب نُسجت بعناية؛ فما إن يندفع المسكين لجمع شتات قوت يومه والتفريط في حُطام ما يملك مسلماً قياده لهذا السراب، حتى تتبدد الأوهام سريعاً وتتكشف الحقائق المرة، ليجد البسطاء أنفسهم قد وقعوا ضحية في أيدي لصوص مخادعين لا يمتلكون مشروعاً ولا أرضاً، بل يمارسون الابتزاز الممنهج باسم “التنمية”. إن هؤلاء السماسرة لا يقلون خطورة عن الميليشيات المتمردة، بل يمثلون وجهها الآخر الذي ينهش في جسد الوطن ويستبيح أوجاع أهله.
لقد تحولت الأزمات الكبرى في وجدان هؤلاء المنتفعين إلى مواسم حصاد دنيئة؛ وتتجلى هذه المأساة بوضوح أليم في ما يشهده ملف أراضي القرية العريقة المعنية، والتي نكتفي بالإشارة إليها برمزها الدلالي (ع. ط) بمحلية الحصاحيصا بولاية الجزيرة، تلك البقعة التي تمثل نموذجاً حياً للقرى المرتبطة أشد الارتباط بأرض الآباء والأجداد. فعلى حين غرة، وتحت ستار “حركة لجان” مريبة وغموض مطبق، بدأ تحرك مشبوه لفرض مبالغ مالية تعسفية بلغت 50 ألف جنيه على الفرد الواحد بحجة “رسوم تحريك العمل”.
هذا التحرك غير البريء يفتح باب التساؤلات المشروعة: من هم الأفراد المنضوون تحت هذه اللجنة؟ ومن هو رئيسها وسكرتيرها وأمين مالها؟ إن غياب الهيكل الإداري المعلن والوضوح المالي — كغياب الإيصالات الرسمية وتحديد جهة المحاسبة — يحيل العمل العام إلى مسرح للابتزاز. كما يطرح مصير المواطن البسيط في قرية (ع. ط) الذي تعصف به أتون الحرب والفاقة ولا يمتلك هذا المبلغ الباهظ: هل يُسقط حقه في الأرض بسلطة المال الحرام؟ وما مصير هذه الأموال الطائلة في حال تعثر المسعى؛ هل ستعود إلى أصحابها أم ستفترسها براثن التهرب وضياع الأمانات؟
إن حمى الاحتيال المتجددة تعكس انحداراً أخلاقياً، لكنها حتماً ستصطدم بيقظة مؤسسات الدولة؛ فالقانون حاضر، والقوات المسلحة والشرطة — كما تصدت للتمرد والميليشيات — كفيلة بتطهير البلاد من هؤلاء العابثين الذين يقتاتون على وجع المواطن الضعيف.
ومن هذا المنطلق، فإننا نوجه نداءً عاجلاً ومباشراً لكافة المواطنين في القرى والأرياف ليكونوا العين الساهرة مع الشرطة والأجهزة العدلية، بالمسارعة إلى التبليغ الفوري عن كل تحرك مشبوه أو حالة ابتزاز يواجهونها. إن المعركة الحقيقية اليوم تتطلب منا أن نكون في أعلى درجات الوعي والرُّشد، وأن نغلق الباب تماماً أمام هؤلاء المحتالين الذين يتغذون على دماء الأبرياء. كما نؤكد صراحة أنه لا مجال للشفاعة ولا مكان للرحمة عند تطبيق القانون على هؤلاء العابثين؛ فلا مجاملة لقريب أو بعيد عندما يتصل الأمر بإنفاذ العدالة وصون حقوق المواطنين.
إننا نطالب بالرد الفوري والشفاف من القائمين على هذا الملف، ونناشد جميع الأهالي بالتريث التام وعدم دفع أي مبالغ نقدية حتى تتكشف الحقائق. إن الأرض هي الهوية والعرض، وأموال المواطنين أمانة مغلظة، وسيبقى الوعي المجتمعي والشراكة الوطنية مع أجهزتنا العدلية هما السلاح الأبقى لردع لصوص المعاناة، وقطع دابر كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات هذا الشعب العظيم.
