يعتبر الأمن القومي السوداني،أحد أبرز وأهم ممسكات الدولة التي تحتاج لتضافر الجهود من كل الحادبين علي المصلحة العليا للبلاد خلال المرحلة القادمة،وذلك لأن السودان يمر بظرف صعب وحرج ومعقد يتطلب بناء جبهة داخلية قوية تسهم فى الخروج من عنق الزجاجة الحالي بالقدر المطلوب.”منصة المجد” أجرت حوارا مع العميد/ د.الصوارمي خالد سعد،الناطق الرسمي الأسبق بإسم القوات المسلحة السودانية،تناول موضوعات الراهن السياسي والأمني ذات الأبعاد الإقليمية والدولية.
حوار:بدرالدين عبدالرحمن
=الأمن القومي السوداني،يواجه تحديات وجودية معقدة،أبرزها الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع المتمردة،هل يمكن القول أن السودان تجاوز هذا المنعرج التأريخي الحرج؟
- الأمن السوداني ما زال يحتاج لمزيد من بذل الجهود لكي يصل الى مرحله التوازن.نعم الدعم السريع قد إنسحب من المناطق التي كان يسيطر عليها في الخرطوم وفي الجزيره،ولكن ما زال خطره ماثلا في دارفور وفي كردفان،وبالتالي نحن نقول إن الأمن ما زال يحتاج لكثير من الجهد.وفي الحقيقه ما دام هنالك قوات غير القوات النظاميه تحمل السلاح،فهذا هو أكبر مهدد قومي، والدوله لا تصل مرحله التوازن الأمني إلا إذا كان هنالك فعلا جيشا واحدا لا جيوش متعدده.وبالتالي فإن كل القوات خارج مظلة الجيش،وكل أفراد الشعب الذين يحملون سلاحا،فهذا السلاح يعتبر خصما على أمن الدوله، فيجب حصر السلاح في أيدي القوات النظاميه فحسب، ويجب حصر السلاح الكبير القتالي في يد الجيش فقط.هذا يعني أنه حتى القوات النظاميه يتم تسليحها حسب تخصصها القتالي.
=لعبت التدخلات الإقليمية والدولية،دورا كبيرا فى إطالة أمد الحرب الحالية،فى تقديركم ماهى الإجراءات الحاسمة التي تكبح جماح التدخل آنيا ومستقبليا؟ - من أصعب الأشياء حسم التدخلات الخارجيه في الدول،نسبه لأن الدول التي تتدخل فى الشأن الداخي،دائما تكون دولا متمكنه ماديا أو عسكريا أو سياسيا،وبالتالي فمن أصعب الأشياء أن تكبح جماح الدول التي تستهدفك بالتدخل.نحن نعلم أن أكبر الدول تأثيرا على مجريات الأحداث السياسيه والعسكريه في السودان هي أمريكا، وذلك بما تفرضه من عقوبات كثيرة جدا على الحكومه.وهي الدوله الوحيده التي تتولى أمر معاقبه السودان مما يجعل كفاءته في محاربه المتمردين عليه أمرا صعبا. ثم بعد ذلك هنالك إتهامات كما نعلم لدول أخرى،ولكن أن تكبح جماح هذه الدول فهذا أمرا عسيرا جدا،ويحتاج لدبلوماسيه ذكيه، ويحتاج لقوة الدوله من حيث نشاطها السياسي ومن حيث قوتها العسكريه. كذلك في الوقت الراهن فإن السودان يعاني من ضعف كبير جدا بسبب العقوبات الأمريكيه المفروضه عليه،وكذلك بسبب السياسات الأمريكيه التي تلعب دورا كبيرا جدا في إستمرار هذا القمع السياسي العالمي الموجه ضد حكومة السودان.
=التداعي السياسي الداخلي لم يكن بالقدر الذي يواكب حجم التهديدات الكبيرة التى تواجه الأمن القومي السوداني..كيف تنظر لهذا الجانب المهم؟ - نحن نرى في حقيقه الأمر ،أن العمل السياسي الداخلي من المجموعات السياسيه المختلفه،هو عمل سلبي في كل المحاور،لأن الصراعات الداخليه هي الوقود الحقيقي لهذه الحرب، والسودان يعاني معاناه كبيره جدا من الإنشقاقات والمشاكل الداخليه التي تتبناها المجموعات السياسيه في السودان،سواء كانت أحزابا تقليديه،أو كانت كيانات أو حركات مسلحه،أو حركات دينيه أو إسلاميه، ليس هنالك الآن توافق بينها وليس هنالك جامع أو رابط بين كل هذه التيارات المتصارعه.فجانب التوافق السياسي رغم أهميته إلا إن هذه الجماعات المتصارعه لا توليه أي أهميه.وبالتالي هنالك صعوبه كبيره جدا في التعامل مع هذه التيارات التي لا يلتئم شملها أبدا في أي مسأله، مهما كانت صغيره،وإنما هنالك آراء مختلفه وصراعات، وأحيانا يدخلون في نزاع داخل القاعات الكبيرة وضرب بالكراسي كما نشهد في بعض القاعات عندما يجتمعون،فالشقه كبيره بين هذه التيارات المتصارعه.
=أحد أهم أهداف الحرب الحالية،وفقا لأطماع خارجية،خلخلة الدولة ومؤسساتها والعمل على إنهيارها،ليسهل السيطرة عليها بغرض الحصول على الموارد الإقتصادية التي يذخر بها السودان،إلي أي مدي تحقق ذلك،وكيف يحمى السودان إطاره الداخلى المرتبط بهذا الملف؟ - لا شك أن أعداء السودان الكثر ،يعملون ليل نهار من أجل تحقيق مقاصدهم وغاياتهم من هذا العداء، فالسودان دوله مستهدفه ولكن هذا الإستهداف له أسباب من قبل الذين يستهدفونه. فعلا هم يريدونه ضعيفا مقسما عاجزا عن حمايه نفسه أمام أطماعهم الإقتصاديه أو التجاريه أو السياسيه عموما، والحل الوحيد أو الإجراء السليم لمواجهة هذه الأطماع العالميه،هو وحدتنا وتوحد أهدافنا، وأن يستفيق أبناء السودان ليقفوا صفا واحدا أمام هذه الهجمه المستعره،والتي أخرتنا كثيرا جدا عن الشعوب. ومن غير إتحادنا وإلتفافنا على بعضنا،ومن غير العمل الجمعي لا يمكن أن نحقق أي أمن أو إستقرار لوطننا العزيز.
=أكبر مهدد للأمن القومي السوداني،دعم دول الجوار المباشر لمليشيا الدعم السريع،كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟ - بعض دول الجوار تدعم مليشيا الدعم السريع دعما مباشرا،وهذا يشكل خطوره ماثله وواضحه، ولكن الأخطر من ذلك هو الدعم غير المباشر والذي لا يبدو ظاهرا للعيان، ويفت من عضد الدوله ويؤثر في أمنها وإستقرارها. تدخل دول الجوار في أي قضية أمنيه،هذا يعني وجود عمل مخل بالأمن القومي،ويؤدي في كثير من الأحيان إلي صراعات غير مرئيه وغير منظوره، وبالتالي لا يستطيع رجال الأمن داخل السودان أداء مهامهم بالصوره المطلوبه،اذا كان هنالك عدو خفي يعمل بطريقه غير مباشره.
=هل يمكن أن تكون الحرب الحالية سببا لإنتشار السلاح والجريمة المنظمة خاصة الإتجار بالبشر والمخدرات والهجرة غير الشرعية،وهى مهدد كبير أيضا للامن القومي؟ - في الحقيقه نحن نري الآن أن هذه الحرب بالفعل قد أدت الى إنتشار السلاح بطريقه غير قانونيه وبصوره مكثفه جدا،وأدت الى إنتشار الجريمه بطريقه مريعه،بل ويمكن بسببها أن يصنف السودان كأسوأ دوله في العالم تنتهك فيها حقوق الإنسان،وبالتالي فان الحرب الحاليه أدت إلي سلبيات كثيره جدا تمارس الآن أمام أنظار العالم،وكل هذا جراء الإنفلات الأمني والذي يعد مسؤولا عن كثير جدا من المظاهر السالبه التي يعيشها السودان الآن، والأمن القومي لا تستقيم قناته أبدا إلا إذا وضع حد لهذه التفلتات الأمنيه،ولهذه المعارك الدائره،ولهذه الحرب المستعره في السودان. فبدون توقف الحرب لن تتوقف الجريمه أبدا.
=مؤسسات الحكم الإنتقالي غابت عنها الرؤية الواضحة الداعمه للحرب،لاسيما الجانب السياسي والإعلامي(مرتكز السياسة والاعلام كان النقطة الأضعف فى مجريات الحرب)..كيف تري ذلك؟ - من المعلوم تماما أن الحكومات الإنتقاليه يكون كل همها أن تحفظ الوضع الراهن،دون أن تحاول وضع خطط إستراتيجيه بعيدة المدي، نسبه لأنها غير مخول لها غير المحافظه على الوضع الراهن،أما أن يكون هنالك إبداع وإنجاز حقيقي فالحكومات الإنتقاليه دائما لا تكون معنيه بهذا الأمر وبالتالي، إطالة زمن الفتره الإنتقاليه هو في الأساس خصم على الدوله،وخصم على المواطن،ويؤدي إلي عدم التطور وعدم الإنطلاق إلي الأمام.وبالتالي تتقدم الشعوب من حولك وتظل أنت منتظرا،فلابد من معالجه هذا الأمر حتى يستطيع الشعب السوداني أن يواكب الشعوب، أو أن يتطور ويتقدم، فلابد من الوصول بسرعه الى الحكومه المستقره الثابته.
والدليل على ذلك كما أشرتم الضعف في مرتكزات السياسه والإعلام،حيث أنها قد تأثرت بصوره أساسيه جدا بعدم وجود الحكومه المستقرة وطول الفتره الإنتقاليه.
=الرباعية فشلت فى إحداث إختراق مطلوب،لماذا؟ - أولا،جاء فشل الرباعيه مترتبا على تكوينها،فهي مكونه أصلا من دول الكل يعلم أن لها أدوارا سالبه في السودان. فالرباعيه مكونه من الولايات المتحده الامريكيه،والولايات المتحده هي الدوله الأولى في العالم من حيث فرض العقوبات على السودان،وبالتالي هي الدوله الرئيسيه في إعاقه الجيش السوداني بما تفرضه عليه من عقوبات،تمنعه من أن يؤدي مهامه أو أن يحسم شيئا،وللأسف هم يرفعون عقائرهم بأن الدعم السريع يرتكب جرائم تصل إلي الإبادة الجماعيه،أو إلي جرائم حرب وما إلي ذلك،ولكن ليس هنالك أي رد فعل فعلي من قبل الرباعيه، والتي ستفشل مستقبلا لأنها ليس لديها بالفعل أداء فعلي في مكافحة أو مواجهة ما يجري في السودان،وبالتالي بدأ السودان ينظر بعين الشك والريبة إلي دولة الإمارات العربيه المتحده والى الولايات المتحده الامريكيه،وظل كذلك ينظر إلي الدور المصري بشك أيضا،لأن السودان يدرك أن مصر وحدها لن تستطيع فعل شيئ،وكذلك المملكه العربيه السعوديه.لكن يبقى أن نقول أن سبب فشل الرباعيه حتى الآن، أنه ليس لديها خطوات عمليه في مواجهة ومكافحة ما يجري من تفلتات أمنيه داخل السودان، وإنما فقط هنالك نظريات وإفتراضات،وهنالك حديث،والحديث لا يسمن ولا يغني عن جوع.
=هل يمكن أن تثمر جهود السعودية بالتعاون مع أمريكا،فى التوصل لسلام عادل؟ - لا أعتقد أن تؤدي الجهود المشتركه بين السعوديه وأمريكا لحل ناجز يوقف الحرب في السودان.
نعم السعوديه لها نوايا حسنه جدا،ولكن أمريكا بما تفرضه علينا من عقوبات كثيرة وتصر عليها إصرارا ما بعده إصرار،فمن المستحيل أن تسفر الجهود معها عن شيء. لأنها في الأصل غير داعمه للحكومه السودانيه وتعتبر في أجندتها الرئيسيه أن الحكومه السودانيه حكومه عليها عقوبات، والعقوبه لا يستهدف بها إلا المجرم،بالتالي هذا تناقض ما بين القول والعمل بالنسبه لما تعلنه أمريكا من أنها تريد إصلاح شأن السودان،وهي تفرض العقوبات القاسيه جدا والمدمره عليه.
= إرتكبت مليشيا الدعم المتمردة جرائم غير مسبوقة،كانت كافية لتصنيفها دوليا،مليشيا إرهابية،لماذا لم يحدث ذلك؟ - نعم ، حتى الآن لم يتم تصنيف مليشيا الدعم السريع بأنها مليشيا إرهابيه، والسبب هو أن الذين يتولون أمر التصنيف هم أصلا يقفون ضد الحكومه السودانيه، ويصنفون الحكومه السودانيه بأنها حكومه إنتقاليه غير مستقره، وبالتالي يترددون حتى في التعامل معها. فالإتحاد الأفريقي مثلا، ما زال يعلق عضوية الحكومه السودانيه بإعتبار أنها حكومه إنتقالية،وإنقلبت على حكومة حمدوك وما إلي ذلك من تداعيات.اذاً هنالك رواسب وأشياء تجعل الهيئات والمنظمات الدوليه تتباطأ في تصنيف هذه الميليشيا بأنها مليشيا إرهابيه،لأنها تريد أن تقف على الحياد بإختصار، ونحن نعلم أن أغلب الدول العربيه والعالمية تقف على الحياد بشأن صراع السودان، وهذا هو ما يؤخر تصنيف المليشيا كمليشيا إرهابيه.
=الزيارات التي قام بها رئيس ونائب رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء مؤخرا للمؤسسات الدولية ولدول ذات ثقل خارجي،كيف يمكن ان تقرأ مع المؤثرات الخارجية للأمن القومي؟ - لا شك أن هذه الزيارات تمثل عملا دبلوماسيا رائعا وقويا،ولابد للحكومه من أن تتحرك دبلوماسيا بصورة واضحه وقويه جدا،على الرغم من أن هذه التحركات حتى الان لم تأتي بنتائج ملموسة، لأن كثيرا من هذه الدول التي تمت زيارتها تنظر بتشكك إلي أمر السودان، وإلي الحكومه السودانيه. وأحيانا يصنفونها بأنها حكومه حركة إسلاميه أو جماعات إسلاميه، وبالتالي جاءت النتائج ضعيفة، ولكن مهما يكن فلا بد من الحراك الدبلوماسي،وبدونه لن ننجح في شيء أبدا.
