كتب / زكريا علي عبد الرسول
في لحظة سودانية مثقلة بالدخان والدم والأسئلة المفتوحة، جاءت زيارة محمد حمدان دقلو إلى كمبالا لتضيف سطراً جديداً في كتاب الصراع. لم تكن الزيارة تفصيلاً بروتوكولياً، ولا مجرد محطة عابرة في أجندة علاقات عامة، بل خطوة سياسية محسوبة في معركة تتجاوز الميدان إلى فضاءات الشرعية والاعتراف وإعادة التموضع.
في الحروب المعاصرة، لا تُحسم المعارك بالسلاح وحده. ثمة جبهة أخرى تُدار في العواصم، حيث تُصاغ التفاهمات وتُرسم خرائط ما بعد النزاع. الذهاب إلى كمبالا يعني إدراكاً عميقاً بأن الصراع السوداني لم يعد شأناً داخلياً صرفاً، بل بات ملفاً إقليمياً يتقاطع مع أمن القرن الأفريقي ومصالح شرق القارة.
معركة الاعتراف… قبل معركة الحسم:-
الظهور في عاصمة فاعلة بشرق أفريقيا يمنح أي طرف وزناً تفاوضياً إضافياً. فالاستقبال السياسي خارج الحدود يترجم، في لغة الدبلوماسية، إلى اعتراف ضمني بكون الزائر لاعباً لا يمكن تجاوزه. وفي سياق تتنازع فيه أطراف الحرب على تمثيل الدولة واحتكار خطابها الخارجي، تصبح كل زيارة خارجية رسالة مزدوجة: للداخل أولاً، وللإقليم ثانياً.
من هنا، تبدو كمبالا منصة لإعادة تثبيت الحضور السياسي في معادلة لم تُحسم بعد.
أوغندا… بوابة إلى شرق أفريقيا:-
ليست أوغندا بلداً هامشياً في حسابات المنطقة. فالرئيس يوري موسيفيني ظل لاعباً مؤثراً في توازنات البحيرات العظمى، وصاحب حضور داخل دوائر الاتحاد الأفريقي، كما أن كمبالا عضو فاعل في منظومة الهيئة الحكومية للتنمية المعنية بأزمات القرن الأفريقي.
اختيار هذه الوجهة يشي برغبة في توسيع شبكة العلاقات داخل الفضاء الأفريقي، وربما في إعادة نقل مركز الثقل من ساحل البحر الأحمر إلى عمق شرق القارة، حيث تتشكل توازنات جديدة في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والممرات الاستراتيجية.
•خطاب الهوية… ورسائل إلى الهامش:-
تحمل الزيارة كذلك بعداً رمزياً يتصل بسؤال الهوية. فالسودان، بتاريخِه المركّب، ليس أحادي الانتماء. وإعادة التموضع داخل الفضاء الأفريقي تُقرأ باعتبارها محاولة لتأكيد هذا البعد، ومخاطبة قطاعات ترى في العمق الأفريقي امتداداً طبيعياً لقضاياها وتاريخها.ففي هذا السياق، لا يصبح المكان مجرد جغرافيا، بل خطاباً سياسياً صامتاً. ومحاولة لكسر العزلة وإعادة توزيع الأوراق.
كل تحرك خارجي في زمن الحرب هو محاولة لكسر طوق العزلة وخلخلة حسابات الخصوم. فالرهان على الحصار السياسي يفقد كثيراً من فاعليته حين يتحول الطرف المعزول إلى فاعل متحرك في عواصم الإقليم. كما أن الزيارة تضيف ورقة جديدة إلى طاولة أي تسوية قادمة، حيث يصبح الحضور الإقليمي جزءاً من ميزان القوة.
في المقابل، تضع هذه الخطوة القوى المدنية والسياسية أمام حقيقة أن معركة المستقبل لن تُحسم بالشعارات وحدها، بل ببناء تحالفات إقليمية قادرة على التأثير في مسار الوساطات والتسويات.
•السودان في قلب شبكة إقليمية مضطربة:-
القرن الأفريقي اليوم ساحة تنافس إقليمي ودولي:( أمن البحر الأحمر، أزمات الحدود، مشاريع الطاقة والمياه، وممرات التجارة). وفي قلب هذه الشبكة يقف السودان، المثقل بحربه الداخلية. وأي تحرك في هذا الفضاء يحمل بالضرورة أبعاداً تتجاوز اللحظة إلى حسابات طويلة المدى.
زيارة كمبالا، بهذا المعنى، ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة إعادة التموضع داخل شبكة إقليمية متشابكة.
•خاتمة:
سواء اختلف السودانيون أو اتفقوا حول مواقف الأطراف المتحاربة، فإن الثابت أن معركة السودان لم تعد محصورة داخل حدوده.
فالعواصم باتت ساحات موازية
للميدان،والشرعية تُصاغ كما تُقاتل.فكمبالا في هذا التوقيت، لم تكن مجرد وجهة سفر. ولكنها رسالة سياسية تقول إن معركة السودان تُدار اليوم على أكثر من جبهة… وأن من يتأخر عن فهم البعد الإقليمي للصراع، قد يجد نفسه خارج معادلة الحل عندما يحين أوان التسوية
،،، سروري وخالص تحياتي ،،،
