السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي. ...

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي. حكم الجيش..

بلادنا اليوم تمضي تجاه إعادة تشكيل معادلة السلطة في ظل حرب توشك ان تدخل  عامها الثالث، اقعدت بالمؤسسات والمجتمع. الاسبوع الماضي جاء إعلان انعقاد أول اجتماع لهيئة قيادة القوات المسلحة بكامل عضويتها، برئاسة القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمثابة إعلان ضمني عن بداية مرحلة جديدة تتجاوز تقاليد المؤسسة العسكرية في السودان ، وتطرح نفسها كفاعل سياسي مباشر في مستقبل الدولة. 

ما يجعل هذا الاجتماع استثنائيًا بجانب توقيته ، أيضًا الطريقة التي أُعلن بها. إذ لم يكن من المألوف أن تُعرض اجتماعات هيئة القيادة بهذه العلنية، حيث ظلت لسنوات طويلة محصورة في غرف مغلقة، ولا يُسمع عنها في الإعلام إلا في إشارات مقتضبة.

أما اليوم فإن الإعلان عن الاجتماع، والتغطية الإعلامية الكثيفة التي صاحبته، يؤشر إلى تحول نوعي في تعاطي الجيش مع الرأي العام، ومع فكرة السلطة. لقد غادرت المؤسسة العسكرية مربع التحفّظ إلى فضاء الإعلان، انطلاقاً من قناعة بأن الظرف الراهن يفرض على الجيش أن يتحمل مسؤوليته الوطنية والسياسية بوضوح .

في هذا السياق لا يمكن تجاهل دلالة وجود ، أعضاء مجلس السيادة، في هذا التشكيل الحاكم: الفريق أول شمس الدين كباشي، الفريق أول ياسر العطا، والفريق إبراهيم جابر. هؤلاء ليسوا مجرد ممثلين للجيش في السلطة، بل هم أذرع تنفيذية للقائد العام، وشركاء في صياغة التوجهات السياسية والعسكرية للمرحلة القادمة.

هذا الحضور المكثف للعسكريين داخل بنية الحكم، مقترناً بإعادة هيكلة واسعة لقيادة الجيش تمت الاسبوع الماضي، يدل على أننا أمام صياغة جديدة للسلطة في السودان، قوامها: الاستقرار والأمن أولًا، ثم الانتقال.

ربما هذا الواقع مستلهم من تجربة سودانية تاريخية ماتزال في وجدان السودانيين، وهي تجربة المشير عبد الرحمن سوار الذهب عام 1985. ففي ذلك الوقت، وبعد سقوط حكم جعفر نميري، تولى سوار الذهب رئاسة مجلس عسكري انتقالي حكم البلاد لمدة عام، بالتعاون مع حكومة مدنية مستقلة برئاسة د. الجزولي دفع الله، ثم سلّم السلطة طواعية بعد انتخابات حرة ونزيهة. كانت تلك التجربة نموذجًا نادرًا في المنطقة على إمكانية توافق الجيش مع منطق الدولة المدنية.

هذا بالنظر الي الاخفاق خلال الأعوام التي تلت ثورة ديسمبر 2018 في تحقيق الاستقرار، نتيجة تنازع القوى المدنية، وارتهان القرار الوطني لإملاءات خارجية، بدءًا من الدستور اللقيط الذي صاغته لجان المحامين، مرورًا بقانون إزالة التمكين، وصولًا إلى الاتفاق الإطاري الذي عمّق الاستقطاب السياسي وأشعل فتيل الحرب.

هذه المسارات التي فرضت على البلاد نموذجًا مشوهًا للانتقال، دفعت المجتمع الدولي نفسه لإعادة تقييم موقفه، والقبول الواقعي بأن الاستقرار لا يمكن أن يُبنى على أسس هشة أو منبتة عن طبيعة الدولة ومؤسساتها.

فالدول الكبرى، والمؤسسات الدولية، وحتى القوى الإقليمية التي كانت لسنوات تراهن على الحكومة المدنية ، باتت اليوم أكثر ميلاً إلى القبول بواقع تقوده مؤسسة عسكرية مستقرة، طالما أنه يوفر الأمن والاستقرار، ويحول دون انزلاق السودان إلى حالة الفشل أو تفكك الدولة.

من هنا، يصبح مفهوم “حكم الجيش” في هذه المرحلة ضرورة لتمكين المؤسسة الوطنية الوحيدة المتماسكة من قيادة فترة انتقالية واضحة المعالم ، بإشراف حكومة مدنية من الكفاءات الوطنية المستقلة، دون محاصصات حزبية أو أجندات خارجية. فالدولة اليوم تُبنى بأولوية الأمن، وتضع الاستقرار في مقدمة أي مشروع إصلاح سياسي أو اقتصادي.

كذلك في تقديري أن التحول الجاري حاليًا في القيادة العسكرية لا يتم بمعزل عن المجتمع الدولي ، بل يحظى بقدر من القبول الضمني ، إن لم نقل الدعم المباشر، من شركاء السودان في الإقليم والعالم، الذين تابعوا انهيار مشروع الانتقال السابق، فقد باتوا يدركون أن ما يهم في هذه المرحلة هو الأمن، وضبط الحدود، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، واحتواء نزيف الهجرة غير الشرعية.

فالعالم اليوم، وتحت ضغط الأزمات الأمنية والاقتصادية، أصبح أكثر ميلاً إلى البراغماتية: ما يهم هو الاستقرار وضبط الحدود وضمان مصالح الطاقة والملاحة، لا نوع النظام السياسي.

كذلك المواطن السوداني، المطالبة بالأمن باتت مقدمة على أي مطلب آخر. الناس يريدون السلام والاستقرار . يريدون العودة إلى حياتهم الطبيعية، لا إغراقهم في الفوضي السياسية . في هذا السياق يجب ان نقراء الاجتماع الأخير لهيئة القيادة العسكرية، كخطوة تأسيسية في إعادة بناء الدولة الجديدة ، تبدأ من الأمن، وتنتهي بالانتقال السياسي المستقر، وفق جدول زمني واضح ووثيقة دستورية يحترمها الجميع ، بعيدًا عن الهشاشة السابقة والصراعات الصفرية.

بحسب مايبدو من #وجه_الحقيقة فإن السودان اليوم لا يعيد إنتاج تجربة سوار الذهب فحسب، بل قد يكون بصدد تطويرها بما يتناسب مع تعقيدات اللحظة. وإذا نجحت القيادة العسكرية، ومعها الكفاءات الوطنية حكومة د. كامل إدريس ، في إدارة هذه المرحلة بمسؤولية، فإن السودان لا يخرج فقط من أزمته، بل يستعيد موقعه كفاعل إقليمي في تأمين القرن الإفريقي، وضابط لإيقاع الأمن في منطقة تشهد تقاطعات حادة بين المصالح الدولية.

إنها لحظة نادرة في تاريخ السودان: لحظة الخروج من الحرب، عبر بوابة القرار الوطني المستقل، الذي يحمل شعار “الأمن أولًا”، و”السيادة بلا وصاية”، و”الانتقال على أساس المشروع الوطني الجامع للسودانيين “.
دمتم بخير وعافية.
السبت 30 أغسطس 2025م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات