أن اللقاء الخاص و السري الذي جرى بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان و المستشار الخاص للرئيس الأمريكي للشؤون العربية و الأفريقية مسعد بولس في سويسرا، بهدف تقديم مقترحا أمريكيا لوقف إطلاق النار في السودان، و توصيل الإغاثة للمحتاجين إليها، و قبل أن يرجع رئيس مجلس السيادة للبلاد كانت وكالات الأنباء و القنوات قد نشرت الخبر دون أن تقدم تفاصيلا كاملة عن المحادثات التي استغرقت ثلاث ساعات كما تقول الوكالات..
للأسف أن الحكومة السودانية التي عينت لها وزيرا للإعلام قد التزمت الصمت، كأنها هي نفسها قد تفاجأت بالخبر منقولا على و كالات الأنباء، و كان على رئيس الوزراء أن يسعى للقاء رئيس مجلس السيادة و تحقق من المعلومة، و يخرج وزير الإعلام لكي يقدم المعلومة للشعب السوداني عبر وسائل الإعلام الوطنية… إلا إذا كان قد تم الاتفاق مع رئيس الوزراء كامل إدريس أن يكون رئيسا للوزراء منقوص الصلاحيات ” لا يسمع و لا يرى و لا يتكلم” و هذا يكون تجاوزا للوثيقة الدستورية التي تم تعديلها مؤخرا..
أن اللقاء الذي تم بين رئيس مجلس السيادة و مستشار الرئيس الأمريكي هو لقاء سياسي و ليس لقاء مختص بقضايا عسكرية ممنوع الحديث و الاقتراب منها.. و بالتالي يجب أن يعلم الشعب السوداني الذي يدافع عن بلده و سيادته قبل غيره عن الذي جرى في سويسرا من خلال القنوات الوطنية.. و أول بأول عن كل ما يتعلق بالقضية السياسية في الشأن الوطني، فالقضايا السياسية ليست حكرا على قيادات سياسية بعينها في مجلس السيادة وحده، أو قيادات عسكرية فقط.. أن الوعي السياسي الجماهيري يعد أهم عنصرا في المعركة الوطنية لحفظ سيادة البلاد.. فالوعي الجماهيري بمجريات الأحداث و السياسة هو الذي تبدأ به عملية رفع المعنويات و الحشد الجماهيري المطلوبة المساندة و الداعم للقوات المسلحة…
أن الجماهير المساندة و الداعمة للقوات المسلحة في معركة الكرامة و أنا واحدا منهم، لا نطلب أن تقدم لنا معلومات عسكرية، عن عملية الخطط و التحرك و سير العمليات و عمل المخابرات و غيرها لأنها عمليات تحتاج للسرية المطلقة.. و لكن لا نقبل أن تخبأ علينا المعلومات السياسية، لأنها هي التي تحدد مسارت مستقبل السودان.. أيدنا القوات المسلحة عن وعي و إدراكا بالتأمر ضد الوطن من قبل عددا من دول الساعية لسرقة ثروة البلاد، و ليس هتيفة و حملت شعارات لا ندري مغزاها، و لا طلاب سلطة و سطوة و مصالح خاصة.. و إذا كان رئيس مجلس السيادة و الذين معه في المجلس، أو أصحاب البزات العسكرية يعتقدون أن التأييد يعني أعطاء صكوك مفتوحة لرئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش دون أن يتحاور مع شعبه في القضايا السياسية يصبح هذا مفهوما خاطئا يجب تعديله..
لا نطالب رئيس مجلس السيادة إذا كان اللقاء سريا أن يكشف عنه، أو عن مكانه و مواقيته، و لكن بعد الرجوع مباشرة أن يعقد مؤتمر صحفيا، و يقدم المعلومة للشعب قبل أن يعلمها من وكالات الأنباء، و الغريب ظل الصمت يضرب الأجهزة الحكومية.. و هنا نتسأل ما هي مهمة وزير الإعلام الذي تم تعينه؟ هل مهمته أن يخرج فقط في القنوات العربية لكي يناطح عناصر الميليشيا و جناحها السياسي؟ و هل هذا دور الإعلام المطلوب في هذه الحرب؟ أن دور الإعلام دورا سياسيا يجب أن يكون متقدما على الآخرين، و يجب أن يمتلك كل المعلومات حتى يستطيع أن يبني من خلالها إستراتيجيته الإعلامية.. فالإعلام يشكل حجر الزاوية في الحرب خاصة الحرب الدائرة في البلاد.. دوره في رفع الروح المعنوية للمقاتلين و الشعب السوداني لأنه هو الذي يمد الجيش بالمقاتلين حسب الحاجة.. و التصدى للأجندة الداعمة للميليشيا و الذين يقفون من خلفها و يدعمونها بالسلاح، دوره أن ينشط الدعم السياسي و خلق صلات وطيدة بالقوى السياسية و دعمها لكي يصبح دورها فاعلا في التوعية و التصدى للإعلام المضاد.. دورها أن تفعل كل أدوات و أجهزة الإعلام من أجل المعركة، و دورها أن تتحكم في طرح الأجندة في الساحة السياسية، و إحداث تغيير نوعي في عملية التفكير و الوعي السياسي، و هذه تتم عندما يكون هناك تناغما بين الأجهزة.. أما إذا اعتقد البعض أن المطلوب فقط أن تقدم المعلومات وفقا لتصورات شخصية يصبح هذا تفكيرا قاصرا يجب العدول عنه…
و هنا لا أريد طرح المساءلة على رئيس مجلس السيادة، و لكن نطرح الأسئلة على رئيس الوزراء كامل أدريس لأنه هو الذي يجب أن يتعامل مع الجماهير و حاجاتها.. هل رئيس الوزراء مدرك لدوره و موقعه من العملية السياسية؟ و إذا كان مدركا لدوره لماذا لم يخرج هو أو وزير إعلامه لكي يشرح ما دار في لقاء سويسرا قبل أن يسمع هو بذات نفسه المعلومات من وكالات الأنباء العالمية؟ هذا يعد أول أختبار حقيقي لرئيس الوزراء و وزير إعلامه أن يقفوا عاجزين و الشعب يلهث وراء الإعلام الخارجي لك يبحث عن مخرجات اللقاء.. أن التغافل عن مثل هذه الأشياء سوف تقلل من قدر رئيس الوزراء عند العامة قبل الخاصة.. و هنا يجب أن يستوعب الأخوة في المكون العسكري أن القضايا التي تتعلق بالشأن العسكري لم يطالبكم أحد بالكشف و الحديث عنها، و لكن القضايا السياسية التي تتعلق بالوطن و مستقبله ليست حكرا على فئة دون الآخرين، بل هي مسألة في غاية الأهمية، أن تطرح على الشعب لكي يتداول فيها بوعي، لآنه هو الذي يشكل السند الحقيقي للجيش في المعركة.. و نسأل الله التوفيق و حسن البصيرة..