السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتأَخْبِرْنِي عَنِ الْوَطَنِ… وَجَعٌ لَا يَنْتَهِي ...

أَخْبِرْنِي عَنِ الْوَطَنِ… وَجَعٌ لَا يَنْتَهِي بقلم: عبير نبيل محمد


الْبِدَايَةُ… وَطَنٌ كَانَ يَسَعُ الْجَمِيعَ

في العام 1988، كانت سيدة من دارفور تلازم ابنها المريض في مستشفى الخرطوم.
سألت البروفيسور الضو مختار بعفوية:
«وليدي دا مالكم ما بتدوهو دواء؟»
فأجابها بذات الصدق:
«وليدك دواه هنا ما في… إلا يجيبوه من لندن.»

خرجت الأم بعشمها الكبير، وركبت التاكسي إلى المطار، تبحث بين الطائرات عن دواء لطفلها.
سألت الطيارين حتى دلّوها على الكابتن عبد الرحيم، فقال لها:
«بإذن الله بكرة عندي سفرة لندن… وبجيب ليك الدواء.»

وبعد أربعة أيام عاد يحمل الدواء وبعض الأطعمة، لا لشيء سوى أنه سوداني أصيل… شهامة ورحمة وإنسانية خالصة.
ذلك هو السودان الذي نعرفه… فأين ذهبت تلك الأخلاق اليوم؟


مَاذَا نُرِيدُ مِنَ الْوَطَنِ؟

الكل اليوم يريد لقطة… صورة تُسحر الأذهان… مشهدًا عابرًا يضعه في صدارة لا تدوم أكثر من ساعات.
لكن… ماذا نريد حقًا من الوطن؟
أهو الأمن؟ أم الأمان؟
أهو السلام والعدالة والمساواة؟
أم الحرية والابتكار؟
أم مجرد فرصة للحياة بكرامة؟

من منا نال ما حلم به؟
ومن منا أحس أن هذا الوطن كان عادلًا قبل الحرب أو بعدها؟


اِنْكِسَارُ الْمَرَايَا

لقد تبدلت النفوس، تغيّرت الأفكار، وتحول الوطن إلى مرآة قاسية تعكس انحطاط كل شيء.
انكشفت المعادن الثقيلة للناس، سقطت الأقنعة، فكان الواقع أمرّ من المر.
خذلان من كل الجبهات، ومع ذلك ما زلنا نُطارد حلمًا واحدًا: وطن.


أَخْبِرْنِي عَنِ الْوَطَنِ… جِرَاحٌ لَا تَنْدَمِلُ

أخبرني عن الفاشر الجريحة التي تصرخ مقابرها بأسماء الصغار والكبار.

أخبرني عن كردفان الصابرة التي جمعت أوراق الأشجار قوتًا وأعلنت الحداد.

أخبرني عن نساء أحرار انتهكت أعراضهن، وعن ثُبيَّا عبودية الحرب.

أخبرني عن الأيتام بلا سند، عن الأرامل اللواتي يسابقن المجهول لإطعام صغارهن.

أخبرني عن الشباب الذين سُحقت أحلامهم تحت عجلات الحرب والفقر، شباب كان يتمنى أن يبني وطنًا، فإذا به يُدفن مع حلمه.

أخبرني عن الذين ماتوا ورحلوا، وكانت قلوبهم أكبر من حدود الوطن.

أخبرني عن أبي المزارع الذي تشرق عيناه قبل الشمس، يحرث الأرض لأجل وطنٍ لا يجزيه إلا الخَيْبَة.


سُقُوطُ الْقِيَمِ

وإذا كان الفقد قد أصاب الناس في أجسادهم وأحلامهم، فإن الأخلاق كذلك لم تسلم من الانهيار.
أخبرني عن الضياع… عن نفوس تعلّمت كيف تُتقن ظلم البشر حتى صار الظلم حرفة.
أخبرني عن العادات والتقاليد التي تبددت، وعن التقليد المستورد الذي صار أعلى ثمن من قيمنا الأصيلة.

أخبرني عن الأخلاق التي سقطت في الوحل… عن المغنيات اللواتي بعن أصواتهن وأنوثتهن في سوق الانحطاط، وعن بعض أصحاب الأقلام الذين بدّلوا رسالتهم فصاروا يكتبون للسلطان بدلًا من الله، ليغدو القلم عبدًا للهوى بعد أن كان عبدًا لله.


مَوْتُ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ

ثم انظر إلى العلم… كيف فقدنا بريقه، وإلى المنارة التي أطفأ نورها جشع من أراد المال.
أخبرني عن الصحة التي تحولت إلى موت ببطء، حتى غدت رحمة الموت أهون من الدواء.
أخبرني عن الفساد والسرقة التي تُمارس باسم الوطن، وعن تجار الأزمات الذين لا يشبعون.


طَبَقَةٌ وَاحِدَةٌ: تَمَاسِيحُ الْوَطَنِ

اليوم لم تعد هناك طبقات اجتماعية… إلا طبقة واحدة: تماسيح الوطن.
نسرق وننهب باسم الوطن، نتصدر الأخبار، ونجعل من المآسي مشاهد تُستهلك على الشاشات.
لا أنكر أن الخير موجود… لكنه محاصر بشر النفوس، ومحكوم بقبضة الفساد.


وَمْضَةُ نُورٍ

ومع ذلك… الخير لم يمت.
ما زال باقٍ في قلوب الأمهات، في صدور البسطاء، في دعاء العجائز عند الفجر، في ذكر الله على ألسنة الصابرين، وفي دمعة يتيم يرفع يديه إلى السماء.


رِسَالَةٌ إِلَى الْقِيَادَةِ… بَيْنَ الْأَمَلِ وَجَهْلِ الْمَعْرِفَةِ

أخبرني أيها القائد…
هل تسمع أنين الفاشر وكردفان؟
هل تراهم من نافذة مكتبك أم حجبت عنك الأبصار؟

أخبرني أيها القائد…
هل الوطن عندك كرسيٌّ أم رسالة؟
هل فهمت أن السلطة تكليف قبل أن تكون تشريفًا؟

أم ما زلت تجهل أن الجوعى لا تُطعمهم خطابات، وأن اليتامى لا يسقيهم سوى الأمل؟
ألا تعلم أن الله سائلك عن كل نفس أزهقت، وعن كل دم أُهدر، وعن كل أم بكت ولدها؟

تذكّروا أن العروش لا تدوم، وأن الله لا يغفل عن دعاء المظلوم ولو بعد حين.


خِتَامٌ عَلَى مَوْلِدِ النُّورِ

وها نحن نصل إلى مولد النور… ميلاد المصطفى ﷺ.
ميلاد الرحمة، ميلاد العدل، ميلاد السلام.

اللهم صلِّ على سيدنا محمد عدد ما في علمك، صلاةً دائمة بدوام ملكك، صلاةً تملأ وطننا أمنًا وأمانًا، وعدلًا ورحمة.
اللهم كما أنرت الدنيا بمولده، أنِر قلوبنا، واجمع شتاتنا، واهدِنا إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد.

وكما قال الشيخ البرعي رحمه الله:
«وإن ضاقت الدنيا عليك فوسِّعْ… صلاتك على المختار تُفرج كُربها.»

ميلادك يا رسول الله هو ختامنا، وهو بداية جديدة لأمة تبحث عن نفسها بين الركام.
ورغم كل شيء… ما زال في القلب حلم: أن يعود الوطن يومًا، أن تُصان دماء الشهداء، أن تنهض الأجيال لتبني بلدًا يليق بتضحياتهم.

سلام وأمان… فالعدل ميزان.


✍️ امرأة من حبر النار
امرأة من صبرٍ ودمع، من جمرٍ ونور، من وجعٍ لكن لا تنكسر.
امرأة صارت رمزًا لكل النساء اللواتي حملن الوطن على أكتافهن، وكتبن بأقلام من دم ونار تاريخًا لا يُمحى

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات