﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
في أحد مساجد الفاشر، ارتقى الإمام المنبر يوم الجمعة، بعينين أثقلهما الجوع، ووجهٍ شاحب حمل ملامح الصبر. حدّق في المصلين، ثم قال بصوت متعب يختلط فيه الأنين بالإيمان:
“لا أقدر على الكلام بسبب الجوع… وأنتم لا تقدرون على السماع لنفس السبب… أقيموا الصلاة.”
كانت تلك الكلمات القليلة أقصر خطبة في التاريخ، لكنها أعمق من ألف خطبة. لخصت حال مدينة تقاتل على جبهتين: جبهة العدو، وجبهة الجوع.
ومع أن البطون كانت خاوية، والعتاد شحيح، إلا أن أبطال الفاشر كان لهم موعد مع التاريخ، فسطروا ملحمة النصر رقم 227 على ميليشيا الجنجويد وعصابات الارتزاق، في معركة شرسة لم تعرف الرحمة.
وعند احتدام القتال، اشتعلت الأرض والسماء معًا، وكأن النهار انقلب ليلًا من كثافة الدخان ووميض الانفجارات، والهواء يضج بأصوات الرصاص وقصف المدافع. كانت الأرض تهتز تحت أقدام المقاتلين، والغبار يلتف حولهم كوشاح حرب، بينما تتعالى التكبيرات تشق ضوضاء المعركة، لتعلن أن الفاشر تقاتل حتى آخر نفس.
على تخوم عاصمة شمال دارفور، امتزج هدير الرصاص بدماء الشهداء، وارتفعت رايات النصر، لتؤكد أن الفاشر عصيّة… ومقبرة المعتدين.
بفضل الله ومنّه، وبصمود القوات المسلحة والقوات المشتركة ورجال المقاومة الشعبية، تحوّلت المدينة المحاصرة إلى رمزٍ للإرادة التي لا تُقهر، وشنب الأسد الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات، والمنارة التي تضيء طريق شباب الوطن نحو العزة والشرف، حتى التحرير الكامل لكل شبر من أرض الإقليم.
رحم الله شهداءنا الأبرار، وأسكنهم الفردوس الأعلى، وشفى جرحانا، وفكّ أسرانا… إنه سميع مجيب الدعاء.
سلام وأمان فالعدل ميزان
توقيع لا يُنسى…
أنا الرسالة حين يضيع البريد، وحين يسقط القلم في يد المرتجفين… امرأة من حبر النار.