في لحظات التحوّل التاريخي التي تمر بها الشعوب، تكون الحاجة إلى فكرة وطنية جامعة أشد من أي وقت مضى. والسودان، وهو يمر بهذه المرحلة المفصلية من تاريخه، تتقاذفه أمواج التمزق والتنازع والهويات المتعددة، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع وطني جامع، يخاطب الوجدان ويعيد بناء الانتماء.
لم يعد كافيًا الحديث عن وثائق دستورية أو اتفاقيات سلام أو قوى سياسية متنازعة. المطلوب الآن هو ما هو أعمق: رؤية وطنية يشعر بها كل سوداني أنها تعبّر عنه، وتحمل صوته، وتجسد تطلعاته، مهما كان لونه أو لهجته أو قبيلته أو منطقته.
من كوش إلى السلطنة الزرقاء… نحن جميعًا هذا الوطن
السودان ليس صنيعة مرحلة أو نظام أو نخبة، بل هو إرث تاريخي عظيم، تراكبت فيه الحضارات، وتعاقبت فيه الممالك من كوش إلى مروي إلى الفونج إلى دارفور السلطنة.
فلماذا لا يكون مشروعنا الوطني امتدادًا لهذا الإرث الكبير؟
مشروعًا يحتفي بكل مكونات السودان من البجا والبني عامر في الشرق، والزغاوة والفور والمساليت في الغرب، والشايقية والجعليين والحلفاويين في الشمال، والأنقسنا والبرتا والفونج في الجنوب الشرقي؟
لماذا لا نعيد رسم خارطة الوجدان الجمعي على أساس التنوع لا التنازع؟
لماذا لا نكتب حكاية السودان الجديدة بلغة العدالة والتعدد والانتماء والاعتراف المتبادل؟
مشروع وطني لا يعرف الاستعلاء ولا الإقصاء
الفكرة الوطنية لا تولد من مكاتب النخب المغلقة، ولا تُصنع في دهاليز السياسة، بل تنبثق من قلب الشعب وروحه.
من أحلام الفقراء، وصبر الأمهات، وكفاح المغتربين، وسواعد الشباب، وأقلام الأدباء، ومآذن المساجد، وأناشيد المدارس، وشعارات الملاعب.
إن المشروع الوطني الحقيقي هو ذاك الذي يشعر فيه الجميع أنهم جزء منه:
يرى فيه أهل الغرب أن كرامتهم محفوظة.
ويرى فيه أهل الشرق أن لهم صوتًا وحقًا.
ويرى فيه الشماليون أن ما قدموه لبناء الدولة هو محل تقدير لا استعلاء.
ويرى فيه الجنوبيون سابقًا أننا تعلمنا من فشل الانفصال ألا نعيد إنتاج أسباب الفقد.
إنه مشروع لا يفضل فيه أحد على الآخر، ولا تُختصر فيه الهوية الوطنية في لهجة أو زيّ أو لون أو جغرافيا.
القبيلة فيه امتداد للهوية وليس حاجزًا أمام المواطنة، والمصلحة فيه للشعب، والانتماء فيه للسودان أولاً وأخيرًا.
كيف نُبلور هذا المشروع؟
لتحقيق هذه الفكرة الوطنية الجامعة، لا بد من إشراك كل فئات المجتمع في صياغتها:
الدعاة والأئمة: ليقدموا خطابًا دينيًا جامعًا يرسّخ قيم التعايش والتراحم.
الفنانون والمطربون: ليغنوا للسودان المتعدد الموحد، لا لقبيلة أو جهة.
الشعراء والأدباء: ليكتبوا لنا وجدانًا مشتركًا.
الرياضيون: ليكونوا قدوة في التنافس الشريف والانتماء الوطني.
الإعلاميون: ليقودوا حملات تعزز الانتماء للسودان.
الشباب: ليكونوا في مقدمة الحالمين بهذا المشروع والمبادرين لتنفيذه.
العلماء والمفكرون: ليضعوا له الأطر النظرية والتاريخية.
المغتربون: ليكونوا جزءًا من الحل لا خارج الحدود.
المرأة السودانية: العمود الفقري الذي يضمن ديمومة الفكرة وعمقها المجتمعي.
خاتمة… الحلم الذي لا بد أن نحققه
إذا أردنا للسودان أن يتماسك، وأن يخرج من دوائر الحرب والفقر والفساد والتمزق، فعلينا أن نتوقف عن إدارة المعارك الصغيرة، ونتجه معًا نحو الحلم الكبير.
فكرة وطنية جامعة لا تنتقص من أحد، ولا تُقصي أحدًا، ولا تخيف أحدًا، بل تُطمئن الجميع أنهم شركاء في الأرض والمستقبل والمصير.
قد تختلف ألواننا ولهجاتنا وعاداتنا، لكن ما يجمعنا أعظم: سودان يسع الجميع فعلاً، لا قولاً.
فلنبدأ الآن.