هناك أشياء لا تحتاج إلى دبلوماسية حتى تُقال، ولا تحتاج إلى تزيين حتى تُفهم.
وما يحدث في بعض أوساط العمل العام السوداني في الغُربة يحتاج إلى وقفة صريحة، بل إلى صفعة كلامية توقظ الضمائر قبل أن يستفحل الداء.
فإلى متى ستظل الجالية ساحة للانشقاقات؟
إلى متى تتحول كل محاولة للتوافق إلى معركة؟
وإلى متى يصبح المنصب سببًا للخصومة، والكرسي سببًا للعداء، والاختلاف ذريعة لتقسيم السودانيين إلى جماعات ومعسكرات؟
من قال إن خدمة السودانيين تحتاج إلى كل هذه الحروب؟
ومن قال إن العمل العام يعني أن تنتصر على أخيك السوداني حتى تثبت أنك الأحق؟
هذه ليست سياسة دولة، ولا حربًا على حدود.
هذه جالية.
جالية يفترض أن تكون بيتًا للسودانيين في الغُربة، ومظلة تجمعهم، وصوتًا لقضاياهم، لا ساحة تُستنزف فيها الطاقات في معارك داخلية لا يستفيد منها إلا الانقسام.
المؤلم أن البعض يتعامل مع العمل العام وكأن الجالية ملك شخصي، وكأن المنصب غنيمة، وكأن من يجلس على الكرسي قد امتلك مفاتيح السودان!
فتبدأ المهاترات.
ثم التشكيك.
ثم الاصطفافات.
ثم تصفية الحسابات.
ثم ينقسم الناس إلى “معنا” و”ضدنا”.
وفي النهاية… يضيع السودان بين هذا وذاك.
نعم، من حق أي شخص أن يختلف.
ومن حق أي شخص أن ينتقد.
ومن حق أي شخص أن يرفض قرارًا أو يطرح رؤية مختلفة.
لكن ليس من حق أحد أن يحول الاختلاف إلى فتنة، أو العمل العام إلى ساحة لتكسير الآخرين.
ليس من حق أحد أن يزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد ثم يرفع شعار المصلحة العامة.
وليس من الوطنية أن تُشعل الخلاف صباحًا، ثم تتحدث مساءً عن وحدة الصف.
الوطنية مواقف، وليست منشورات.
والعمل العام أخلاق قبل أن يكون مناصب.
والذي لا يستطيع إدارة خلافه بالحكمة، كيف سيستطيع إدارة شؤون الناس؟
والذي يرى في كل مخالف له عدوًا، كيف سيجمع مجتمعًا كاملًا تحت مظلة واحدة؟
والذي لا يعرف متى يتنازل لمصلحة الجماعة، كيف يريد من الآخرين أن يثقوا به؟
ثم دعونا نطرح السؤال الذي يهرب منه كثيرون:
ماذا لو لم يكن هناك منصب أصلًا؟
هل سيظل كل هذا الغضب موجودًا؟
هل ستظل كل هذه التحالفات والخصومات؟
هل سيظل البعض يخوض المعارك نفسها؟
إذا كانت الإجابة “لا”، فالمشكلة واضحة.
المشكلة ليست في الوطن… المشكلة في حب الكرسي.
والمضحك المبكي أن الإنسان قد يقضي سنوات وهو يصارع من أجل منصب، ويخسر في الطريق علاقات وصداقات وقلوبًا، وربما يزرع خصومات لا تنتهي…
ثم يكتشف في النهاية أن المنصب كان مؤقتًا.
فماذا أخذ معه؟
لا شيء.
فالكرسي لا يدخل القبر.
واللقب لا يُحمل إلى الآخرة.
والتصفيق ينتهي.
والشهرة تنتهي.
ويبقى العمل.
ويبقى الأثر.
ويبقى السؤال أمام الله:
ماذا فعلت حين أُعطيت فرصة لخدمة الناس؟
هل جمعت أم فرقت؟
هل أصلحت أم أفسدت؟
هل جبرت أم كسرت؟
هل كنت سببًا في حل مشكلة سوداني، أم كنت جزءًا من مشكلة جديدة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال: من كان رئيسًا؟ ومن كان عضوًا؟ ومن كان صاحب القرار؟
يا أهلنا في الغُربة…
كفاية انقسام.
كفاية مهاترات.
كفاية معارك لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
كفاية تشويه لصورة السودانيين أمام الآخرين.
فنحن لسنا في وطننا حتى نستهين بتأثير كل كلمة وكل خلاف.
نحن في الغُربة، وأي خلاف بيننا ينعكس على صورة مجتمع كامل.
نحن بحاجة إلى أن نكون وجهًا مشرّفًا للسودان، لا مرآة تعكس أزماته وانقساماته.
لدينا أبناء سودانيون يحتاجون إلى من يقف معهم.
لدينا أسر تحتاج إلى الدعم.
لدينا شباب يحتاجون إلى فرص.
لدينا قضايا تحتاج إلى صوت موحد.
ولدينا وطن جريح يحتاج من أبنائه أن يتعلموا كيف يتفقون، لا كيف يختلفون.
فلماذا نستهلك أنفسنا في صراع الكراسي بدل أن نستهلك طاقتنا في خدمة الناس؟
لماذا لا تكون المنافسة في الإنجاز؟
لماذا لا يتنافس الناس في من يقدم أكثر؟
من يحل مشكلة أكثر؟
من يخدم السودانيين أكثر؟
من يترك أثرًا أجمل؟
لماذا لا نتنافس في الخير؟
إن كان لا بد من معركة، فلتكن معركة ضد الفقر والجهل والتهميش.
إن كان لا بد من صوت مرتفع، فليكن صوتًا يدافع عن حقوق السودانيين.
إن كان لا بد من اختلاف، فليكن اختلافًا في الرؤى، لا اختلافًا يمزق النسيج الاجتماعي.
أما أن يصبح السوداني عدوًا لأخيه السوداني بسبب منصب، فهذه ليست قوة.
هذا إفلاس أخلاقي في إدارة الاختلاف.
والرسالة هنا ليست موجهة إلى طرف دون آخر.
بل إلى كل من يشارك في هذا المشهد.
إلى من يخاصم.
وإلى من يحرّض.
وإلى من ينقل الكلام.
وإلى من يصنع الاصطفافات.
وإلى من يعتقد أن إسقاط الآخر انتصار.
لا يا سادة… إسقاط بعضنا ليس انتصارًا.
انتصارنا الحقيقي أن نقف جميعًا.
أن نختلف دون أن نتعادى.
أن ننتقد دون أن نهدم.
أن نتصالح حين نخطئ.
وأن نضع مصلحة السودان فوق مصالحنا الشخصية.
فالمنصب الذي يحتاج إلى عداوة الناس حتى تحافظ عليه، لا يستحق أن تتمسك به.
والكرسي الذي يجعلك تخسر وطنك الصغير من حولك، لا يستحق أن تجلس عليه.
فانزلوا من أبراج المناصب قليلًا، وانظروا إلى الناس.
هناك سودانيون ينتظرون خدمة حقيقية، لا بيانات متبادلة.
هناك من يحتاج إلى من يسمعه، لا من يصرخ فوق صوته.
هناك من ينتظر يدًا تمتد إليه، لا يدًا تدفعه بعيدًا.
وهناك وطن كامل ينتظر من أبنائه أن يكونوا على قدر اسمه.
فلنتوقف.
فلنراجع أنفسنا.
فلنضع حدًا لهذه الدائرة.
فالجالية ليست ملكًا لأحد، والسودانيون ليسوا أتباعًا لأحد، والعمل العام ليس غنيمة، والمنصب ليس انتصارًا شخصيًا.
ومن أراد أن يخدم السودان، فليثبت ذلك بالفعل.
ومن أراد أن يقود، فليتعلم أولًا كيف يجمع.
ومن أراد أن يكون في المقدمة، فليتحمل مسؤولية أن يكون أول من يمد يده للصلح.
أما الوطن… فلا يحتاج إلى مزيد من المتصارعين على الكراسي.
يحتاج إلى رجال ونساء يضعون أيديهم في أيدي بعضهم.
يحتاج إلى عقول تتسع للجميع.
يحتاج إلى قلوب تعرف التسامح.
يحتاج إلى سودانيين يقولون:
“نختلف، نعم… لكن لا نقتتل.”
“نتنافس، نعم… لكن لا نتآمر.”
“ننتقد، نعم… لكن لا نهدم.”
“نختلف في الرأي، لكن نتفق على السودان.”
فهل نستطيع أن نفعلها هذه المرة؟
هل نستطيع أن نغلق باب المهاترات ونفتح باب التوافق؟
هل نستطيع أن ندفن صراعات المناصب قبل أن تدفن ما تبقى من روح الجماعة؟
السؤال ليس من سيجلس على الكرسي.
السؤال الحقيقي:
ماذا سنفعل ونحن واقفون أمام وطننا؟
لأن الكراسي ستتغير…
والأسماء ستتغير…
والوجوه ستتغير…
لكن السودان سيبقى.
فإما أن نكون أبناء وطن جمعهم السودان…
أو نكون أبناء وطن مزقتهم الكراسي.
والاختيار… ما زال بأيدينا.
الجالية ليست ميدانًا للغنائم!
ملف الفتنة والانشقاق: حين تتحول خدمة السودانيين إلى حرب على الكراسي
بقلم: مناهل تاج السر محمد حامد
هناك أشياء لا تحتاج إلى دبلوماسية حتى تُقال، ولا تحتاج إلى تزيين حتى تُفهم.
وما يحدث في بعض أوساط العمل العام السوداني في الغُربة يحتاج إلى وقفة صريحة، بل إلى صفعة كلامية توقظ الضمائر قبل أن يستفحل الداء.
فإلى متى ستظل الجالية ساحة للانشقاقات؟
إلى متى تتحول كل محاولة للتوافق إلى معركة؟
وإلى متى يصبح المنصب سببًا للخصومة، والكرسي سببًا للعداء، والاختلاف ذريعة لتقسيم السودانيين إلى جماعات ومعسكرات؟
من قال إن خدمة السودانيين تحتاج إلى كل هذه الحروب؟
ومن قال إن العمل العام يعني أن تنتصر على أخيك السوداني حتى تثبت أنك الأحق؟
هذه ليست سياسة دولة، ولا حربًا على حدود.
هذه جالية.
جالية يفترض أن تكون بيتًا للسودانيين في الغُربة، ومظلة تجمعهم، وصوتًا لقضاياهم، لا ساحة تُستنزف فيها الطاقات في معارك داخلية لا يستفيد منها إلا الانقسام.
المؤلم أن البعض يتعامل مع العمل العام وكأن الجالية ملك شخصي، وكأن المنصب غنيمة، وكأن من يجلس على الكرسي قد امتلك مفاتيح السودان!
فتبدأ المهاترات.
ثم التشكيك.
ثم الاصطفافات.
ثم تصفية الحسابات.
ثم ينقسم الناس إلى “معنا” و”ضدنا”.
وفي النهاية… يضيع السودان بين هذا وذاك.
نعم، من حق أي شخص أن يختلف.
ومن حق أي شخص أن ينتقد.
ومن حق أي شخص أن يرفض قرارًا أو يطرح رؤية مختلفة.
لكن ليس من حق أحد أن يحول الاختلاف إلى فتنة، أو العمل العام إلى ساحة لتكسير الآخرين.
ليس من حق أحد أن يزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد ثم يرفع شعار المصلحة العامة.
وليس من الوطنية أن تُشعل الخلاف صباحًا، ثم تتحدث مساءً عن وحدة الصف.
الوطنية مواقف، وليست منشورات.
والعمل العام أخلاق قبل أن يكون مناصب.
والذي لا يستطيع إدارة خلافه بالحكمة، كيف سيستطيع إدارة شؤون الناس؟
والذي يرى في كل مخالف له عدوًا، كيف سيجمع مجتمعًا كاملًا تحت مظلة واحدة؟
والذي لا يعرف متى يتنازل لمصلحة الجماعة، كيف يريد من الآخرين أن يثقوا به؟
ثم دعونا نطرح السؤال الذي يهرب منه كثيرون:
ماذا لو لم يكن هناك منصب أصلًا؟
هل سيظل كل هذا الغضب موجودًا؟
هل ستظل كل هذه التحالفات والخصومات؟
هل سيظل البعض يخوض المعارك نفسها؟
إذا كانت الإجابة “لا”، فالمشكلة واضحة.
المشكلة ليست في الوطن… المشكلة في حب الكرسي.
والمضحك المبكي أن الإنسان قد يقضي سنوات وهو يصارع من أجل منصب، ويخسر في الطريق علاقات وصداقات وقلوبًا، وربما يزرع خصومات لا تنتهي…
ثم يكتشف في النهاية أن المنصب كان مؤقتًا.
فماذا أخذ معه؟
لا شيء.
فالكرسي لا يدخل القبر.
واللقب لا يُحمل إلى الآخرة.
والتصفيق ينتهي.
والشهرة تنتهي.
ويبقى العمل.
ويبقى الأثر.
ويبقى السؤال أمام الله:
ماذا فعلت حين أُعطيت فرصة لخدمة الناس؟
هل جمعت أم فرقت؟
هل أصلحت أم أفسدت؟
هل جبرت أم كسرت؟
هل كنت سببًا في حل مشكلة سوداني، أم كنت جزءًا من مشكلة جديدة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال: من كان رئيسًا؟ ومن كان عضوًا؟ ومن كان صاحب القرار؟
يا أهلنا في الغُربة…
كفاية انقسام.
كفاية مهاترات.
كفاية معارك لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
كفاية تشويه لصورة السودانيين أمام الآخرين.
فنحن لسنا في وطننا حتى نستهين بتأثير كل كلمة وكل خلاف.
نحن في الغُربة، وأي خلاف بيننا ينعكس على صورة مجتمع كامل.
نحن بحاجة إلى أن نكون وجهًا مشرّفًا للسودان، لا مرآة تعكس أزماته وانقساماته.
لدينا أبناء سودانيون يحتاجون إلى من يقف معهم.
لدينا أسر تحتاج إلى الدعم.
لدينا شباب يحتاجون إلى فرص.
لدينا قضايا تحتاج إلى صوت موحد.
ولدينا وطن جريح يحتاج من أبنائه أن يتعلموا كيف يتفقون، لا كيف يختلفون.
فلماذا نستهلك أنفسنا في صراع الكراسي بدل أن نستهلك طاقتنا في خدمة الناس؟
لماذا لا تكون المنافسة في الإنجاز؟
لماذا لا يتنافس الناس في من يقدم أكثر؟
من يحل مشكلة أكثر؟
من يخدم السودانيين أكثر؟
من يترك أثرًا أجمل؟
لماذا لا نتنافس في الخير؟
إن كان لا بد من معركة، فلتكن معركة ضد الفقر والجهل والتهميش.
إن كان لا بد من صوت مرتفع، فليكن صوتًا يدافع عن حقوق السودانيين.
إن كان لا بد من اختلاف، فليكن اختلافًا في الرؤى، لا اختلافًا يمزق النسيج الاجتماعي.
أما أن يصبح السوداني عدوًا لأخيه السوداني بسبب منصب، فهذه ليست قوة.
هذا إفلاس أخلاقي في إدارة الاختلاف.
والرسالة هنا ليست موجهة إلى طرف دون آخر.
بل إلى كل من يشارك في هذا المشهد.
إلى من يخاصم.
وإلى من يحرّض.
وإلى من ينقل الكلام.
وإلى من يصنع الاصطفافات.
وإلى من يعتقد أن إسقاط الآخر انتصار.
لا يا سادة… إسقاط بعضنا ليس انتصارًا.
انتصارنا الحقيقي أن نقف جميعًا.
أن نختلف دون أن نتعادى.
أن ننتقد دون أن نهدم.
أن نتصالح حين نخطئ.
وأن نضع مصلحة السودان فوق مصالحنا الشخصية.
فالمنصب الذي يحتاج إلى عداوة الناس حتى تحافظ عليه، لا يستحق أن تتمسك به.
والكرسي الذي يجعلك تخسر وطنك الصغير من حولك، لا يستحق أن تجلس عليه.
فانزلوا من أبراج المناصب قليلًا، وانظروا إلى الناس.
هناك سودانيون ينتظرون خدمة حقيقية، لا بيانات متبادلة.
هناك من يحتاج إلى من يسمعه، لا من يصرخ فوق صوته.
هناك من ينتظر يدًا تمتد إليه، لا يدًا تدفعه بعيدًا.
وهناك وطن كامل ينتظر من أبنائه أن يكونوا على قدر اسمه.
فلنتوقف.
فلنراجع أنفسنا.
فلنضع حدًا لهذه الدائرة.
فالجالية ليست ملكًا لأحد، والسودانيون ليسوا أتباعًا لأحد، والعمل العام ليس غنيمة، والمنصب ليس انتصارًا شخصيًا.
ومن أراد أن يخدم السودان، فليثبت ذلك بالفعل.
ومن أراد أن يقود، فليتعلم أولًا كيف يجمع.
ومن أراد أن يكون في المقدمة، فليتحمل مسؤولية أن يكون أول من يمد يده للصلح.
أما الوطن… فلا يحتاج إلى مزيد من المتصارعين على الكراسي.
يحتاج إلى رجال ونساء يضعون أيديهم في أيدي بعضهم.
يحتاج إلى عقول تتسع للجميع.
يحتاج إلى قلوب تعرف التسامح.
يحتاج إلى سودانيين يقولون:
“نختلف، نعم… لكن لا نقتتل.”
“نتنافس، نعم… لكن لا نتآمر.”
“ننتقد، نعم… لكن لا نهدم.”
“نختلف في الرأي، لكن نتفق على السودان.”
فهل نستطيع أن نفعلها هذه المرة؟
هل نستطيع أن نغلق باب المهاترات ونفتح باب التوافق؟
هل نستطيع أن ندفن صراعات المناصب قبل أن تدفن ما تبقى من روح الجماعة؟
السؤال ليس من سيجلس على الكرسي.
السؤال الحقيقي:
ماذا سنفعل ونحن واقفون أمام وطننا؟
لأن الكراسي ستتغير…
والأسماء ستتغير…
والوجوه ستتغير…
لكن السودان سيبقى.
فإما أن نكون أبناء وطن جمعهم السودان…
أو نكون أبناء وطن مزقتهم الكراسي.
والاختيار… ما زال بأيدينا.
