الجمعة, سبتمبر 4, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تعود المؤسسة: من استعادة الحقوق إلى صناعة المدينة ...

حين تعود المؤسسة: من استعادة الحقوق إلى صناعة المدينة بقلم: م. الصادق عباس نجّار مهندس معماري | مخطط عمراني

مقال الجمعة

في المقال السابق، كتبت عن ملف الإسكان الشعبي باعتباره أكثر من مجرد قرعة تأخرت سنوات. كنت أحاول أن أنظر إلى عودة هذا الملف من زاوية أوسع: ماذا يعني أن تستعيد مؤسسة حكومية ملفًا ظل معلقًا كل هذه السنوات؟ وهل يمكن لإجراء إداري بسيط أن يكون علامة على عودة المؤسسة إلى مسؤوليتها، وعلى بداية استعادة الثقة بين المواطن والدولة؟

اليوم أريد أن أواصل من النقطة نفسها، ولكن بسؤال أوسع:

إذا كنا نستعيد ما توقف، فكيف نبني ما نحتاجه للمستقبل؟

هنا يبدأ الحديث عن المدينة.

فالحرب لم تهدم المباني والطرق والمنشآت فقط. لقد غيّرت أيضًا طريقة حياة الناس، وحركة السكان، وأولويات الخدمات، وأوضاع الأراضي، وأدوار المؤسسات، وكشفت جوانب من الضعف في إدارة المدينة كانت موجودة قبل الحرب ولم تكن تجد ما يكفي من المعالجة.

ولهذا فإن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مجرد محاولة لإعادة الخرطوم إلى الصورة التي كانت عليها قبل الخامس عشر من أبريل 2023.

فالخرطوم التي سنعيد بناءها ستكون مدينة مختلفة، شئنا أم أبينا.

السؤال إذن ليس فقط: ماذا تهدم؟

السؤال الأهم: ماذا تعلمنا من الذي حدث؟

هذه، في تقديري، هي القيمة الحقيقية لمرحلة التعافي.

لدينا اليوم فرصة نادرة لأن ننظر إلى مدننا من جديد، وأن نراجع ما كنا نعتبره مسلمًا به، وأن نسأل عن أنماط توزيع السكان والخدمات، وعن مواقع الاستثمار، وعن كفاءة شبكات البنية الأساسية، وعن علاقة السكن بالعمل والنقل والخدمات.

بمعنى آخر، يمكن أن ننتقل من مجرد إعادة البناء إلى إعادة التفكير.

والتعافي العمراني، بالنسبة لي، ليس مرحلة قصيرة نمر بها حتى نصل إلى الإعمار. هو عملية نتعلم من خلالها كيف نعيد تشغيل المدينة بصورة أفضل، وكيف نرتب أولوياتها، وكيف نربط القرار بالمعلومة، والمشروع بالاحتياج، والإنفاق بالأثر.

فالمشروع السكني، مثلًا، لا ينبغي أن نقيس نجاحه بعدد الوحدات التي تم بناؤها فقط.

السؤال الأهم: أين بُنيت؟ ولمن؟ وكيف يصل سكانها إلى أعمالهم؟ وهل توجد حولها مدارس ومراكز صحية وأسواق ومواصلات؟ وهل تستطيع شبكات المياه والكهرباء والتصريف استيعابها؟ وهل يمكن لهذه المنطقة أن تستمر وتكبر بصورة منظمة؟

والطريق ليس مجرد إسفلت، بل وسيلة تربط الإنسان بعمله وخدمته وسوقه.

والأرض الحكومية ليست مجرد قطعة أرض يمكن التصرف فيها، وإنما أصل عام يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية وعمرانية واجتماعية إذا أُدير بطريقة صحيحة.

وهنا يتغير معنى التعمير.

التعمير ليس أن نبني أكثر، وإنما أن نبني بصورة أفضل.

وهذا لا يعني أننا نبدأ من الصفر.

الدولة تملك مؤسسات، وخبرات، وأراضي، ومخططات، وبيانات، وتجارب تراكمت عبر سنوات طويلة. المشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب الموارد بالكامل، وإنما ضعف الربط بينها، وتشتت القرار، وعدم تحويل ما نملكه من معلومات وخبرات إلى قرارات تنفيذية متماسكة.

وهذا، في رأيي، أحد أهم استحقاقات المرحلة القادمة: أن تنتقل مؤسسات العمران من إدارة الملفات المتفرقة إلى إدارة المنظومة العمرانية بصورة أكثر تكاملًا.

ومن واقع عملي خلال الفترة الماضية، ازداد اقتناعي بأن هذا التحول ليس فكرة نظرية.

فمنذ أن توليت في مارس 2026 مسؤولية المدير العام لصندوق الإسكان والتعمير بولاية الخرطوم، أصبحت أمامي بصورة يومية أسئلة تتجاوز حدود الإسكان بمعناه التقليدي.

كيف نستكمل الالتزامات القديمة؟

كيف ندير أصول الصندوق بصورة أفضل؟

كيف نفتح مشروعات جديدة؟

كيف نربط الإسكان بالتخطيط والخدمات والاستثمار؟

وكيف يمكن لمؤسسة مثل صندوق الإسكان والتعمير أن تكون جزءًا من عملية التعافي العمراني، لا مجرد جهة تنفذ مشروعات سكنية؟

وأتعامل مع هذه المسؤولية باعتبارها عملًا تنفيذيًا قبل أن تكون موقعًا إداريًا.

فالمؤسسة في النهاية لا تُقاس بما تحمله من مسميات، وإنما بما تستطيع أن تنجزه.

وكان استئناف إجراءات قرعة الإسكان الشعبي مثالًا عمليًا على ذلك.

فبدء نشر كشوفات المستحقين، وكانت مرحلتها الأولى قد شملت 666 مستحقًا ممن سددوا مقدماتهم خلال الفترة من 19 إلى 29 ديسمبر 2016م، لم يكن بالنسبة لي مجرد إعلان أسماء.

كان فتحًا لملف ظل مغلقًا سنوات، وإعادة المؤسسة إلى مسؤوليتها تجاه مواطن ظل ينتظر حقه.

لكن استعادة الملفات القديمة ليست سوى بداية.

فالخرطوم اليوم تحتاج إلى مشروعات جديدة، وإلى استثمارات، وإلى إدارة أفضل للأراضي والأصول، وإلى شراكات حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمهنيين والمجتمع.

وهنا أعود إلى فكرة أكررها كثيرًا:

الإعمار لا يبدأ بالخرسانة.

يبدأ بالمعلومة.

ثم بالرؤية.

ثم بالقرار.

ثم بالمؤسسة القادرة على تحويل القرار إلى عمل.

وبعد ذلك يأتي البناء.

لأننا إذا بدأنا بالبناء قبل أن نعرف ماذا نريد، وأين نريد، ولمن نريد، وبأي أولوية، فقد ننجح في تشييد مبانٍ كثيرة، لكننا قد لا ننجح في بناء مدينة أفضل.

وهذا يقودني إلى مسألة أراها مهمة جدًا في المرحلة القادمة: الانتقال من منطق المشروع إلى منطق الاستراتيجية.

المشروع له بداية ونهاية.

أما الاستراتيجية فتجيب عن سؤال: إلى أين نريد أن نصل؟

يمكن لمشروع أن يبني حيًا، لكن الاستراتيجية هي التي تحدد علاقة هذا الحي ببقية المدينة، وعلاقة المدينة بالإقليم، وعلاقة العمران بالسكان والاقتصاد والموارد.

ولهذا أعتقد أننا بحاجة إلى التفكير بجدية في استراتيجية عمرانية قومية للسودان.

ولا أقصد بذلك وثيقة جديدة توضع على الرف.

أقصد عملية وطنية تبدأ من الواقع نفسه.

من المدن التي عادت إليها الحياة، ومن المدن التي ما زالت تنتظر، ومن المناطق التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين، ومن الطرق التي أعادت الاتصال بين المناطق، ومن الخدمات التي استؤنفت، ومن المشروعات التي توقفت ثم عادت.

نجمع هذه التجارب.

نقرأها.

نقارن بينها.

ثم نحولها إلى معرفة تساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل.

بهذه الطريقة يمكن أن يصبح التعافي مدرسة حقيقية للتخطيط.

ويمكن أن يصبح الإعمار فرصة لبناء قاعدة معرفية جديدة عن السودان ومدنه وسكانه وموارده.

فالمدينة في النهاية ليست مباني فقط.

المدينة هي الناس، والسكن، والعمل، والخدمات، والحركة، والأسواق، والاقتصاد، والذاكرة، والأمان، والفرص.

ولهذا، إذا أردنا أن يعود السودانيون إلى مدنهم، فلا يكفي أن نقول لهم: عودوا.
علينا أن نبني لهم مدينة يستطيعون العودة إليها.

مدينة يستطيع فيها الإنسان أن يسكن ويعمل ويتعلم ويتنقل، وأن يشعر أن حياته لا تعود إلى ما كانت عليه فقط، وإنما تتجه إلى ما هو أفضل.

ومن هنا يصبح التعافي العمراني جسرًا بين مرحلتين: تجاوز آثار الحرب، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

أما إعادة الإعمار، فيجب ألا تكون مجرد عودة إلى نقطة الصفر.

يجب أن تكون بداية لمسار تنموي جديد.

لقد علّمتنا السنوات الماضية شيئًا مهمًا: أن التخطيط الذي لا يصل إلى التنفيذ يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته، وأن المؤسسة التي لا تتعلم من الواقع ستكرر أخطاءها مهما كانت جودة خططها.

ولهذا فإن الأسئلة التي ينبغي أن ترافق كل مشروع إعمار ليست فقط:

كم سنبني؟

بل أيضًا:

أين سنبني؟
ولمن؟
ولماذا هنا؟
وبأي أولوية؟
وبأي موارد؟
وما أثر المشروع على المدينة؟
وكيف سيعمل بعد خمس سنوات أو عشرين سنة؟

هذه ليست أسئلة إضافية.

إنها جزء من صميم القرار العمراني.

ومن هنا أرى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى ثلاثة مسارات تسير معًا:

أن نستعيد ما توقف ونحفظ حقوق الناس.

وأن نعيد تشغيل مؤسسات الدولة ونرفع قدرتها على الإنجاز.

وأن نبدأ في بناء رؤية عمرانية طويلة المدى تتجاوز معالجة آثار الحرب إلى صناعة المستقبل.

عندها يمكن أن تتحول إعادة الإعمار من مشروعات متفرقة إلى مشروع وطني متكامل.

السودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى كثرة الخطط بقدر ما يحتاج إلى خطط يمكن تنفيذها، ولا يحتاج إلى كثرة المشروعات بقدر ما يحتاج إلى مشروعات تصنع أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.

والدولة لا تستعيد حضورها بمجرد عودة الموظف إلى مكتبه.

تستعيده عندما تعود المؤسسة إلى أداء وظيفتها، ويبدأ المواطن في رؤية نتيجة هذا الأداء في حياته اليومية.

لهذا فإنني لا أرى مهمتنا في مرحلة التعافي أن نعيد السودان كما كان.

مهمتنا أن نبني سودانًا أكثر قدرة على الصمود، وأكثر عدالة في توزيع التنمية، وأكثر كفاءة في إدارة موارده، وأكثر ارتباطًا بين تخطيط مدنه ومستقبل اقتصاده ومجتمعه.

فإذا كان السؤال في المقال السابق هو:

كيف يعود حق المواطن؟

فإن السؤال الذي يأتي بعده طبيعيًا:

كيف نبني المدينة التي يستحقها هذا المواطن؟

ومن هنا تبدأ الرحلة من الإسكان إلى التعمير، ومن التعمير إلى التخطيط، ومن التخطيط إلى الاستراتيجية العمرانية.

وهذا، في تقديري، هو المعنى الأوسع للتعافي.

أن لا نكتفي بإزالة آثار الحرب، بل نحول ما حدث إلى معرفة.

وأن لا نعيد بناء ما تهدم فقط، بل نعيد بناء قدرتنا على صناعة المستقبل.

فالإعمار ليس أن نعيد ما كان فقط، وإنما أن نعرف ما ينبغي أن يكون.

م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات