لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة الروسية موسكو مجرد مشاركة في أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة ، بل حملت أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية ، في ظل ظروف استثنائية يمر بها السودان ، وحرب ألقت بظلالها على الدولة ومؤسساتها واقتصادها وموقعها في محيطها الإقليمي والدولي.
نجاح الزيارة اتضح في طبيعة الاستقبال ومستوى المباحثات التي أجراها البرهان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين ، وما حملته من مؤشرات على رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ، بعد سبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية.
وهو ما يعكس أن السودان لا يزال حاضراً في حسابات القوى الدولية ، وأن موقعه الجغرافي وثرواته وإمكاناته الاقتصادية تمنحه أوراقاً مهمة في معادلات المصالح الدولية.
ولعل أبرز ما ميز الزيارة انتقال النقاش من مستوى التأكيدات السياسية إلى طرح مشروعات ومصالح اقتصادية محددة ، شملت الاستثمار في الذهب والنحاس والمعادن الأخرى ، والتعاون في مجالات الطاقة والزراعة والصحة والتعليم ، إلى جانب مقترح إقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر ، والاستفادة من الخبرات الروسية في تطوير شبكة السكك الحديدية والبنية التحتية.
كما اكتسب اللقاء أهمية سياسية خاصة ، بالنظر إلى مواقف موسكو الداعمة للسودان في المحافل الدولية، ولا سيما مجلس الأمن ، وتأكيد بوتين استعداد بلاده للمساهمة في دعم الاستقرار وإنهاء الحرب عبر تسوية سياسية ، وهي مواقف تكتسب أهميتها في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتعدد المبادرات والضغوط الخارجية.
ومن زاوية أخرى ، فإن اختيار موسكو محطة للحراك الدبلوماسي السوداني يحمل رسالة مفادها أن الخرطوم تسعى إلى توسيع خياراتها الدولية ، وبناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة، بعيداً عن الارتهان لمحور واحد أو الخضوع للإملاءات الخارجية ، فالسودان، بما يمتلكه من موارد وموقع استراتيجي على البحر الأحمر ، ليس مجرد ساحة لتنافس القوى الدولية ، بل دولة تمتلك مقومات الشراكة وصناعة المصالح.
لكن النجاح الحقيقي لهذه الزيارة لن يُقاس فقط بما تحقق في قاعات الاجتماعات أو بما صدر من تصريحات ، وإنما بقدرة الجانبين على تحويل التفاهمات إلى اتفاقيات ومشروعات على أرض الواقع ، تجذب الاستثمارات ، وتعيد تأهيل البنية التحتية ، وتنعش قطاعات الإنتاج ، وتوفر فرص العمل ، وتسهم في تخفيف معاناة المواطنين.
إن زيارة البرهان إلى روسيا مثلت خطوة دبلوماسية مهمة ، ونافذة جديدة أمام السودان لاستعادة حضوره الخارجي وتوظيف علاقاته الدولية في خدمة معركة البناء والتعافي.
ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول نتائج موسكو إلى مكاسب ملموسة ، وأن تكون الشراكة المرتقبة جسراً نحو الاستقرار والسلام والتنمية ، لا مجرد تفاهمات مؤجلة في سجلات العلاقات الدولية.
#التعاون_الاستراتبجي_السوداني_الروسي
