تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
تأتي القمة الروسية الأفريقية في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد والحساسية،سياق تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية،وتتزايد فيه حدة التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي والأمني، وتتنامى فيه أهمية القارة الأفريقية بوصفها إحدى المرتكزات الرئيسية لإعادة تشكيل النظام الدولي. فالقارة التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، واحتياطيات مهمة من النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية، وإمكانات زراعية واسعة، وموقعًا جغرافيًا يتحكم في ممرات بحرية وتجارية حيوية،لم تعد مجرد مجال للتنافس الدولي والصراع الإقليمي فحسب،بل أصبحت طرفًا فاعلًا يسعى إلى توظيف موارده ومكانته الديموغرافية والجيوسياسية لتعزيز استقلال قراره الوطني، وتحقيق التنمية المستدامة،وترسيخ حضوره في مؤسسات الحوكمة العالمية.
وفي هذا الإطار،تمثل العلاقات الروسية الأفريقية أحد مسارات إعادة ترتيب العلاقات الدولية،في ظل سعي موسكو إلى توسيع شراكاتها مع دول الجنوب العالمي، وتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في أفريقيا،بينما تتطلع الدول الأفريقية إلى تنويع شراكاتها الدولية، وعدم الارتهان لقوة واحدة، والاستفادة من التنافس الدولي للحصول على فرص أفضل في مجالات الاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا والتصنيع والطاقة والبنية التحتية. ومن ثم،فإن القمة لا تقتصر أهميتها على اللقاءات السياسية والبيانات الختامية،بل تتجاوز ذلك إلى اختبار قدرة الأطراف المشاركة على تحويل التقارب السياسي إلى مشروعات عملية واتفاقيات قابلة للتنفيذ،تحقق المصالح المتبادلة وتستجيب لأولويات الشعوب الأفريقية.
وتكتسب القمة الروسية الأفريقية الثالثة، المنعقدة في موسكو،أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشاركة الأفريقية واتساع الملفات المطروحة،إذ أكدت 48 دولة أفريقية مشاركتها، مع تمثيل 22 دولة على مستوى رؤساء الدول، برئاسة مشتركة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الاتحاد الأفريقي، الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيمي. وتأتي القمة امتدادًا لمسار بدأ في سوتشي عام 2019، وتواصل في سانت بطرسبرغ عام 2023، بهدف بناء إطار أكثر انتظامًا للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الجانبين.
وتتصدر جدول أعمال القمة قضايا التجارة والاستثمار، وأمن الطاقة والغذاء، وإمدادات الحبوب والأسمدة، وتطوير البنية التحتية، والتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعليم والتعاون الإنساني والتنسيق بشأن التحديات الأمنية والإقليمية.
وقد تجاوز حجم التجارة بين روسيا والدول الأفريقية 27 مليار دولار خلال عام 2025، وفقًا لتصريحات روسية نقلتها وكالة الأناضول، وهو ما يعكس تنامي التبادل الاقتصادي، مع استمرار وجود فجوة بين الإمكانات المتاحة وحجم العلاقات التجارية الفعلية.
وعلى المستوى الاستراتيجي،تبرز القمة بوصفها محطة مهمة في مساعي روسيا لتعزيز حضورها داخل القارة الأفريقية وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية،في ظل التنافس بين القوى الكبرى على الموارد والأسواق والممرات التجارية ومناطق النفوذ.
وفي المقابل،تسعى الدول الأفريقية إلى تعظيم قدرتها التفاوضية،وتنويع مصادر التمويل والاستثمار والتكنولوجيا،وتعزيز استقلالية قراراتها الخارجية، والدفع نحو إصلاح المؤسسات المالية والدولية بما يضمن تمثيلًا أكثر عدالة لمصالحها.
غير أن أهمية القمة لا ينبغي أن تُقاس بمجرد مستوى التمثيل السياسي أو ما يصدر عنها من بيانات، بل بمدى قدرتها على تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وتحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية ملموسة، واحترام سيادة الدول الأفريقية وأولوياتها الوطنية.
أعمال القمة الروسية الإفريقية الثالثة،تأتي في توقيت بالغ الدقة إقليمياً ودولياً، لكنها قمة محملة بفرص استراتيجية وتحديات هيكلية عميقة، تختبر قدرة الجانبين على الانتقال من “خطاب النوايا” إلى “شراكة المشاريع والأفعال الملموسة”.
- التحرر من الهيمنة الغربية وبناء عالم متعدد الأقطاب:
تسعى موسكو من خلال هذه القمة إلى ترسيخ موقعها كحليف استراتيجي وموثوق للقارة الإفريقية،مؤكدةً على دعمها لنظام عالمي متعدد الأقطاب،وفي المقابل تنظر الدول الإفريقية إلى الشراكة مع روسيا كأداة تنويع لتحالفاتها الدبلوماسية والاقتصادية، بما يمنحها هامش مناعة أكبر في مواجهة الاستقطاب الدولي الحاد.
هذا إلي جانب كسر العزلة وتجاوز العقوبات الغربية،
في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو بسبب الأزمة الأوكرانية،خاصة وأن القارة الإفريقية -بأسواقها الواعدة ومواردها الضخمة- تُمثّل عمقاً استراتيجياً حيوياً لروسيا لتسويق منتجاتها،وتأمين سلاسل توريد بديلة، والالتفاف على القيود الغربية. - الأبعاد الاقتصادية والمالية (طموحات تختبرها العقوبات والتمويل):
أشار الجانب الروسي (على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف) عشية القمة إلى أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا تجاوز 27 مليار دولار في عام 2025، وسط مساعٍ حثيثة لرفع هذا الرقم عبر آليات تكاملية أوسع.
ويمثل إيجاد بدائل لقنوات الدفع الغربية (SWIFT) التحدي الأكبر،حيث تبحث موسكو وعواصم إفريقية توسيع التسويات التجارية بالروبل والعملات الوطنية، وتطوير بنية تحتية مصرفية مستقلة تحمي المبادلات التجارية من خطر العقوبات الثانوية.
فيما يركز المنتدى الاقتصادي على مجالات استراتيجية تتجاوز تجارة السلع التقليدية،تشمل
مشاريع الطاقة النووية السلمية،البنية التحتية، التعدين،والتحول الرقمي،الأمن الغذائي وتأمين إمدادات الحبوب والأسمدة الروسية للأسواق الإفريقية.
تشهد القمة عرضاً لتقنيات عسكرية وأمنية متطورة تلبي احتياجات الدول الإفريقية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة،من أبرزها منظومات دفاعية متعددة الطبقات لمكافحة الطائرات المسيرة (الدرونز) لحماية البنى التحتية الحيوية ومرافق الطاقة.
إضافة لتوسيع نطاق التعاون التقني ونقل المعرفة في مجالات الرقمنة والأمن السيبراني، بما يعزز “السيادة التكنولوجية” للدول الإفريقية.
وعلى الرغم من ضخامة الوعود والاتفاقيات الحكومية الجاري توقيعها، تواجه الشراكة الروسية الإفريقية عدة محكّات واختبارات رئيسية،منها
فجوة التمويل والاستثمارات الفعلية،إذ لا تزال الاستثمارات الروسية المباشرة في إفريقيا متواضعة مقارنة بالصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة،لذا فإن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الصناديق والمؤسسات المالية الروسية على تمويل مشاريع كبرى تخلق وظائف وتدعم التصنيع المحلي،لا تقتصر فقط على تصدير المعدات والسلع.
فضلا عن هشاشة البنية التحتية المصرفية واللوجستية،التى تظهر في صعوبة تحويل بعض العملات المحلية وغياب قنوات مصرفية موثوقة ومستدامة بين المصارف الروسية والإفريقية بما يعرقل انسيابية التجارة البينية.
تتباين مقاربات الدول الإفريقية تجاه روسيا، فبينما تبحث دول عن دعم أمني وعسكري مباشر، تركز دول أخرى (مثل مصر وجنوب إفريقيا وغيرهما) على الشراكات الاقتصادية المستدامة، الأمن الغذائي، ونقل التكنولوجيا.
في غضون ذلك،يتفق خبراء ومحللو الشؤون الأفريقية والدولية-وفقا لوسائل إعلام. مختلفة-، على أن القمة الأفريقية الحالية(وما يحيط بها من قمم وفعاليات قارية شريكة)،تعكس تحولاً استراتيجياً حاسماً في تعاطي القارة مع أزماتها ومواردها،وسط منافسة دولية محمومة وتوترات أمنية معقدة.
ويمكن تلخيص أبرز آراء وتحليلات الخبراء في المحاور الآتية: - إعادة تعريف الأمن القومي،والتركيز على “الأمن المائي”،حيث يرى خبراء بمراكز الدراسات (مثل مركز “تريندز”)،أن رفع ملف “المياه والصرف الصحي” ليصبح الشعار والأولوية القصوى يمثل نقلة تاريخية، حيث لم يعد الأمن يُختزل في البعد العسكري فقط،بل باتت إدارة الموارد المائية العابرة للحدود ركيزة أساسية للاستقرار السياسي.
- الاقتصاد والتكامل الإقليمي (شراكة لا استنزاف)،يشير المحللون إلى أن المفاوضات الأفريقية مع الشركاء الدوليين (سواء في قمم البريكس أو اللقاءات الروسية-الأفريقية الحالية) أصبحت أكثر صرامة،حيث يصر القادة على عدم استنزاف المعادن الحيوية (كالليثيوم والكوبالت) كخامات أولية، واشتراط توطين التكنولوجيا والصناعات التحويلية داخل القارة.
- الزخم الاستثماري،وفيه يثمن خبراء الاقتصاد التحول نحو المشاريع المشتركة عبر “النيباد” ومنطقة التجارة الحرة القارية لرفع معدلات التجارة البينية وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي.
- واقع أمني معقد وتحدي “إسكات البنادق”،وهنا يتبنى بعض المحللين السياسيين نبرة حذرة، معتبرين أن الاتحاد الأفريقي يواجه اختباراً تاريخياً للتحول من “منصة بيانات وبروتوكولات” إلى “أداة صناعة قرار فعّال” لقمع الانقلابات وحسم النزاعات المشتعلة.
- بؤر الصراع الضاغطة، يرى مراقبون أن استمرار الحرب في السودان، والاضطرابات في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل، يمثل تحدياً هيكلياً يهدد أي مشروع تنموي،مما يتطلب بلورة صوت موحد للوساطات الإقليمية.
- التوازن والدبلوماسية في القرن الأفريقي، يرى خبراء أن القوى الدولية مثل روسيا تحاول اللجوء إلى “البراغماتية” عبر موازنة علاقاتها في ملفات حساسة بالقرن الأفريقي (بين مصر وإثيوبيا وإريتريا والصومال) لاحتواء التوترات المتصاعدة الناتجة عن ملفات المياه والوصول إلى البحر الأحمر.
يجمع المحللون على أن أفريقيا الحالية لم تعد “قارة أزمات” فقط، بل أصبحت ساحة لفرض السيادة الاقتصادية والمطالبة بإصلاح الحوكمة الدولية، لكن يظل نجاح هذه القمم رهناً بمدى توفر الإرادة السياسية الجماعية لتطبيق المقررات على أرض الواقع.
تؤكد القمة الروسية الإفريقية الثالثة أن موسكو جادة في ترسيخ موطئ قدم طويل الأجل في القارة السمراء مستفيدةً من الإرث التاريخي للاتحاد السوفيتي،غير أن نجاح هذه الشراكة وتحولها من “إطار تكتيكي” إلى “شراكة استراتيجية مستدامة” مرهونٌ بمدى قدرة روسيا على تذليل عقبات التمويل،وتقديم حزم استثمارية تنافسية، وتوطين الصناعات الحيوية بما يلبي الطموحات التنموية الحقيقية لشعوب القارة. - #البحر_الاحمر_بوابة_روسيا_لافريقيا
#الفاعدة_الروسية
#اليودان6_روسيا
