الأحد, سبتمبر 6, 2026
الرئيسيةمقالاتالحوار السوداني… الأهداف أم النتائج؟ ...

الحوار السوداني… الأهداف أم النتائج؟ كتب: إسماعيل شريف

كلما اشتدت الأزمة السودانية، تجددت الدعوات إلى الحوار. تتعدد المبادرات، وتتغير أسماء المؤتمرات، وتختلف أماكن الاجتماعات، ويجلس السودانيون حول طاولة واحدة أو طاولات متعددة، بحثاً عن مخرج من أزمة تبدو في كل مرة أكثر تعقيداً من سابقتها. لكن ثمة سؤالاً ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الأخرى هل نذهب إلى الحوار من أجل الوصول إلى نتائج محددة مسبقاً، أم نذهب إليه لاكتشاف الطريق الذي يقود السودان إلى الخروج من أزمته؟ فالحوار الذي يبدأ بأهداف جاهزة لدى أطرافه قد يتحول، في نهاية المطاف، إلى عملية تفاوض على المكاسب. كل طرف يدخل القاعة حاملاً قائمة مطالبه، ومقدار ما يريد الحصول عليه، وما يمكن أن يتنازل عنه، وما لا يمكن أن يتنازل عنه.

الجيش له حساباته وأهدافه، والقوى السياسية لها أهدافها، والحركات المسلحة لها مطالبها، وكل من يجلس إلى الطاولة يدخل إليها من موقعه الفكري أو السياسي أو الحزبي أو السلطوي. وبذلك يصبح الحوار، من حيث لا يريد أصحابه، منافسة بين إرادات تبحث عن أفضل نصيب لها في السلطة والنفوذ والدولة.

ليس المقصود بالحوار الوطني أن يجلس السودانيون لتوزيع السودان بينهم. ليس الهدف أن يخرج كل طرف بحصة أو منصب أو موقع في مؤسسات الدولة أو ضمانة سياسية، ثم يقال بعد ذلك إن السودانيين قد توافقوا. فمثل هذه الترتيبات قد تنجح في إيقاف أزمة مؤقتة، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور الأزمة. وقد أثبت التاريخ السوداني أن الاتفاقات التي تعالج موازين القوى أكثر مما تعالج أسباب الاختلال، سرعان ما تصبح مقدمة لأزمة جديدة. لذلك فإن الحوار الحقيقي يجب أن يبدأ من زاوية أخرى تماماً وهي معالجة المشكلة، لا البحث عن المصلحة.

ونسأل أولاً لماذا ظل السودان، منذ الاستقلال، عاجزاً عن بناء دولة مستقرة؟ لماذا تتكرر الحروب؟ لماذا تنتقل البلاد من انقلاب إلى ثورة، ومن ثورة إلى انقلاب، ومن نظام إلى آخر، بينما تبقى أزمات أساسية كما هي لماذا فشلت الدولة في تحقيق تنمية متوازنة بين أقاليمها؟ لماذا ظل الاقتصاد هشاً، رغم ضخامة الموارد الطبيعية والبشرية؟ لماذا أصبحت الهوية واحدة من أكثر القضايا إثارة للصراع لماذا لم تتحول المواطنة إلى قاعدة ثابتة للعلاقة بين الدولة والمواطن؟ ولماذا ظل السلاح قادراً على إنتاج واقع سياسي جديد كلما فشل الحوار السياسي؟ هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن تكون جدول أعمال الحوار قبل أن تكون هناك طاولة للحوار. اذ لا يمكن معالجة مرض لم يُشخَّص بصورة صحيحة. وهذا ينطبق على السودان أكثر من أي وقت مضى.

نحن لا نعيش أزمة بدأت في أبريل 2023 فقط، ولا أزمة بدأت مع سقوط نظام الإنقاذ، ولا حتى أزمة بدأت مع انقلاب أو حكومة بعينها. الحرب الحالية، بكل فظاعتها، هي جزء من تاريخ أطول من الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية. وهذا لا يعني تبرئة أحد من مسؤولية ما يحدث اليوم، بل يعني العكس تماماً أن نمتلك الشجاعة للنظر إلى الصورة كاملة. أن ندرس أسباب الحروب السابقة والحرب الحالية، وأن نسأل أيضاً عن أسباب الحرب القادمة إن لم نعالج جذورها. أن نبحث في علاقة المركز بالأقاليم، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي بناء الجيش والمؤسسات الأمنية، وفي نشأة وتطور الحركات المسلحة، وفي ضعف الأحزاب السياسية، وفي الاقتصاد، والتعليم، والإدارة العامة، والعدالة، والهوية والمواطنة. أن نسأل عن الثقافة السياسية التي جعلت الوصول إلى السلطة في السودان، في كثير من الأحيان، أهم من بناء الدولة نفسها.
ربما يكون أكبر خطأ في أي حوار سوداني قادم هو افتراض أن الأطراف التي صنعت الأزمة، أو كانت جزءاً منها، تملك وحدها الإجابة عن مستقبل البلاد. فالأطراف السياسية والعسكرية والاجتماعية مهمة، ولا يمكن تجاوزها. لكن الحوار لا ينبغي أن يكون ملكاً للنخب وحدها. فالسودان ليس مجرد أحزاب وجيوش وحركات مسلحة. هناك ملايين المواطنين الذين يدفعون ثمن القرارات التي تتخذها النخب. هناك النازح واللاجئ، والمزارع والعامل، والمعلم والطبيب، والطالب، والمرأة، والشباب، وأصحاب الأعمال، وسكان المدن والأرياف والأطراف. هؤلاء ليسوا جمهوراً ينتظر نتائج الحوار. هؤلاء هم أصحاب القضية وأهل الوجعة . ومن هنا ينبغي أن يكون الحوار أوسع من مجرد تفاوض بين مراكز القوى.

من «من يحكم؟» إلى «كيف نحكم؟»

ربما آن الأوان لكي يتغير السؤال السوداني. من “من يحكم السودان”؟ الى “كيف ينبغي أن يُحكم السودان”؟ وما شكل الدولة التي نريدها؟ ما العلاقة بين المدني والعسكري؟ ما شكل النظام السياسي المناسب وكيف تُبنى المؤسسات وكيف تضمن الدولة المواطنة المتساوية؟ كيف توزع الموارد؟ كيف تمنع إعادة إنتاج التهميش وكيف يصبح الجيش مؤسسة وطنية لا طرفاً في المنافسة السياسية وكيف تصبح السياسة وسيلة لإدارة الاختلاف لا طريقاً إلى الحرب؟ وكيف نضمن ألا تكون الاتفاقية القادمة مجرد هدنة بين المتصارعين، وإنما بداية لنظام جديد يمنع إنتاج الصراع مرة أخرى؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الحديث عن المواقع والمناصب وتقاسم السلطة.

ليس عيباً أن يدخل كل طرف الحوار وله أهدافه. هذا طبيعي في السياسة. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح أهداف المتحاورين أهم من نتائج الحوار على السودان نفسه. قد يدخل طرف يريد السلطة، وآخر يريد الاحتفاظ بموقعه، وثالث يريد ضمانات، ورابع يريد تقاسم الموارد، وخامس يريد الاعتراف بدوره. لكن السودان لا يحتاج فقط إلى تسوية بين هذه الأهداف. السودان يحتاج إلى تحول جوهري في طريقة بناء الدولة وإدارة الاختلاف.
السودان لا يحتاج إلى حوار جديد فقط. إنه يحتاج إلى طريقة جديدة في الحوار. حوار يبدأ بتشخيص طويل وصريح. يضع تاريخ الدولة السودانية على الطاولة. يفتح ملفات الحروب بلا انتقائية. يناقش أسباب الانهيار الاقتصادي. يفحص أزمة الهوية والمواطنة. يناقش المركز والهامش. يدرس أسباب ضعف المؤسسات. يفتح ملف العلاقة بين السياسة والقوة المسلحة. وينظر إلى التعليم والصحة والتنمية والعدالة باعتبارها قضايا أساسية في بناء الدولة، لا ملفات خدمية هامشية.

ثم، بعد أن نفهم المرض، نبدأ في البحث عن العلاج. عندها فقط يصبح التفاوض وسيلة للوصول إلى السودان الذي نريد، لا وسيلة لتقاسم السودان الموجود. فالحوار الناجح ليس الذي يخرج منه المتحاورون سعداء بما حصلوا عليه. بل الذي يخرج منه السودان نفسه أكثر قدرة على البقاء. ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي حوار سوداني قادم ..هل جاء ليحقق أهداف الذين جلسوا إلى الطاولة؟ أم جاء ليصنع نتائج يستفيد منها الذين لم يجلسوا إليها؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات