السبت, أغسطس 22, 2026
الرئيسيةمقالاتتعقيدات العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا في عهد "آبي أحمد"

تعقيدات العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا في عهد “آبي أحمد”

​تقرير: بدر الدين عبد الرحمن
​تُعدّ العلاقات السودانية-الإثيوبية من أكثر العلاقات الإقليمية حرجًا وتأثرًا بالتحولات السياسية والأمنية في منطقة القرن الإفريقي. وقد شهدت هذه العلاقات تقلبات حادة واستقطابًا غير مسبوق خلال فترة تولّي رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” السلطة منذ عام 2018؛ حيث تحولت مسارات التعاون والوساطات السياسية إلى حالة من التوتر، والعداء المكتوم، والتصريحات الحادة.
​تتداخل في تقييم أسباب هذا التوتر عوامل الجغرافيا السياسية، والنزاعات الحدودية، والمصالح الأمنية والاستراتيجية لكلا البلدين.

  • ​النزاع الحدودي في منطقة الفشقة:
    يبدو النزاع حول منطقة الفشقة الحدودية—وفقًا لمحللين—العنصر الأكثر تأثيراً في مسار العلاقات، إذ استعاد الجيش السوداني في أواخر عام 2020 منطقة الفشقة (الكبرى والصغرى)، وهي أراضٍ خصبة وشاسعة ظلت لعقود تحت سيطرة مزارعين وميليشيات إثيوبية تُسمى (الأمهرة).
    ​ورأت أديس أبابا في هذه الخطوة استغلالاً سودانياً لانشغالها بالحرب الداخلية في إقلييمي أوروميا وتيغراي، ووصفتها بـ “الاعتداء غير المبرر”، بينما أكد السودان أن ما حدث هو إعادة انتشار شرعية داخل حدوده الدولية المعتمدة بموجب اتفاقية 1902.
    ​وأكد مختصون في العلاقات السودانية-الإثيوبية رفض الجانب الإثيوبي حسم عملية ترسيم الحدود بناءً على الاتفاقيات التاريخية الموروثة (اتفاقية 1902)، فضلاً عن حساسية الموقف الداخلي لـ “آبي أحمد” وتخوفه من الظهور بمظهر الضعيف أمام قومية الأمهرة،التي تقطن المناطق الحدودية محل النزاع.
    ​تتمثل رؤية الخرطوم للعلاقات مع إثيوبيا في الاستناد إلى اتفاقيات رسمية،تعتبر الفشقة أرضاً سودانية غير قابلة للتفاوض، بينما ترى أديس أبابا أن التحركات السودانية في الفشقة كانت بمثابة “طعنة في الظهر”.
    ثمة حقائق تاريخية تؤكد أن التعديات الإثيوبية على حساب الجانب السوداني بدأت منذ ما يقارب 30 عاماً، تحديداً منذ صعود الحركة الشعبية لتحرير تيغراي للحكم في إثيوبيا بعد القضاء على حكم الإمبراطور “منغستو هيلا مريام” عام 1991،حيث كانت جبهة تحرير شعب تيغراي أحد الفاعلين البارزين في الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية آنذاك.
  • ​ملف سد النهضة والتعبئة الأحادية:
    شكل ملف سد النهضة مساراً متذبذباً في العلاقات بين البلدين، فبينما رأت الخرطوم إمكانية الاستفادة من السد في تنظيم الري والحد من الفيضانات،وقد أدى إصرار الحكومة الإثيوبية على عمليات الملء المتكررة دون اتفاق قانوني ملزم وآليات تنسيق ومعلومات هيدرولوجية،إلى مخاوف أمنية ومائية سودانية مباشرة بشأن سلامة تشغيل سد الروصيرص.
    و​فيما يتعلق بالأمن المائي والقومي، يرى السودان أن التصرفات الأحادية في سد النهضة تهدد سلامة مواطنيه وسدوده القريبة، وفي الوقت ذاته تتوجس إثيوبيا من وجود تحالفات إقليمية تهدف لتطويقها وتحديد دورها التنموي (خاصة في ملف المياه).
  • ​تداعيات حرب إقليم تيغراي (2020-2022):
    تمثلت تداعيات صراع تيغراي في فرار عشرات الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين إلى داخل الأراضي السودانية،مما شكل ضغطاً إنسانياً وأمنياً كبيراً على الخرطوم.وفي هذا السياق، أُطلقت اثيوبيا اتهامات متكررة للخرطوم بتقديم دعم لوجستي أو توفير ملاذات آمنة لجبهة تحرير شعب تيغراي، وهو ما نفته السلطات السودانية مراراً.
  • ​الاستقطاب بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان:-
    زادت حدة التوتر مع اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إذ اتهمت دوائر حكومية وإعلامية في السودان أديس أبابا بتقديم دعم غير مباشر أو غطاء سياسي وميداني لمليشيا الدعم السريع، واستضافة قيادات سياسية وميدانية محسوبة عليها.
    ويرى السودان في احتضان بعض الأطراف منحاً للشرعية لطرف يقاتل مؤسسات الدولة الرسمية.
    و​في المقابل،شددت إثيوبيا على أن تحركاتها واستضافتها لمختلف الأطراف تنبع من الحرص على الوساطة وإيجاد حل سلمي للأزمة تحت مظلة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، مؤكدة أن تواصلها مع مختلف الفرقاء السودانيين يهدف لدعم السلام وليس الاصطفاف،وهو زعم كذبته تدخلات اثيوبيا فى حرب المليشيا من خلال استخدام اراضيها لتوفير الدعم بمختلف انواعه للمليشيا،كما تتذرع إثيوبيا بتخوفها من تداعيات الحرب الداخلية في السودان وتأثيراتها الجيوسياسية على دول القرن الإفريقي،وتوجسها من تداعيات تفكك الدولة السودانية أو تدفق السلاح واللاجئين.
    ​ومابين هذه وتلك،تطفو على السطح الاتهامات المتبادلة بين البلدين بإيواء أو دعم العناصر المسلحة المناوئة للحكومة المركزية في أديس أبابا أو الخرطوم،لكن اثيوبيا وفقا لمحلليين خالف القانون الدولي عندما فتحت مطاراتها لاستخدام الطيران المسير للمليشيا بغرض تدمير السودان،وهو امر مثبت بمالايدع مجالا للشك.
  • ​مؤشرات الدعم العسكري للمليشيا:-
    أثبتت تقارير موثوقة أن إثيوبيا سمحت باستخدام مطار بحر دار الواقع في مدينة بحر دار (عاصمة إقليم أمهرة)—وهو على بعد نحو 176 كيلومتراً من الحدود السودانية—والذي شهد تجهيزات لوجستية وحظائر طيران مستحدثة، رصدتها صور أقمار صناعية،حيث استُخدم في العمليات العسكرية كمنصة انطلاق لطائرات مسيّرة دعمت مليشيا الدعم السريع،واستهدفت مواقع سودانيةحيوية،أبرزها مطار الخرطوم الدولي.
    ​بينما أشارت تقارير إعلامية ومصادر عسكرية سابقة إلى وجود تحركات أو معسكرات إمداد وتجنيد وإيواء وتدريب ومتابعة لوجستية لمليشيا الدعم السريع في المناطق النائية بهذا الإقليم القريب من الحدود السودانية أيضاً.
    وفي السياق ذاته،شهدت منطقة الكرمك الحدودية بالنيل الأزرق السوداني نشاطاً ميدانياً للمليشيا تحت رعاية اثيوبية،وسط اتهامات مؤكدة وفقا لتقارير دولية واقليمية،بفتح منافذ حدودية لتسهيل الإمدادات العسكرية وجبهات قتال جديدة للمليشيا.

الكاتبة والباحثة الصحفية”د.نجلاء المكابرابي”،قالت:لم يكن التوتر بين السودان وإثيوبيا وليد عهد”آبي أحمد”،لكنه شهد تصعيداً واضحاً خلال فترة حكمه، نتيجة تداخل عدد من الملفات السياسية والأمنية والحدودية.
تأتي منطقة الفشقة في مقدمة أسباب الخلاف، إذ يتمسك السودان بحدوده المرسمة وفق الاتفاقيات التاريخية، بينما توجد في المنطقة تجمعات ومصالح زراعية إثيوبية.
ومع استعادة الجيش السوداني مساحات واسعة من الفشقة في أعقاب اندلاع حرب تيغراي عام 2020، تصاعدت الاشتباكات والتوترات الحدودية.
كما شكلت حرب تيغراي عاملاً مهماً في تدهور العلاقات، خاصة مع تدفق اللاجئين إلى السودان، وظهور مخاوف أمنية متبادلة بشأن نشاط الجماعات والقوات على الحدود.
“المكابرابي”أوضحت أن سد النهضة يأتي كملف ثالث شديد الحساسية، فإثيوبيا تنظر إليه باعتباره مشروعاً سيادياً وتنموياً، بينما يطالب السودان باتفاق واضح بشأن الملء والتشغيل وتبادل المعلومات،خصوصاً لما قد يترتب على السد من آثار مباشرة على الأراضي والمياه السودانية.
“د.نجلاء المكابرابي”أشارت إلي أن الحسابات السياسية الداخلية الإثيوبية قد لعبت دوراً في تشدد المواقف،خصوصاً وأن قضية الفشقة ترتبط بمصالح سياسية وشعبية في إقليم أمهرا.
لذلك، فإن الأدق هو وصف ما حدث بأنه تصاعد في التوتر بين الدولتين، وليس عداءً بين الشعبين. فالعلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعب السوداني والإثيوبي أعمق من الخلافات السياسية، بينما تتمحور الأزمة أساساً حول الأرض والمياه والأمن والنفوذ الإقليمي.
وتظل معالجة هذه الملفات بالحوار والاتفاقات الملزمة، بعيداً عن التصعيد العسكري،هي الطريق الأكثر واقعية لحماية مصالح البلدين واستعادة علاقات حسن الجوار.

  • ​آفاق مستقبلية:-
    تظل العلاقة بين السودان وإثيوبيا مشدودة بين منطق الجوار الجغرافي الذي يتطلب الحوار والتنسيق، وبين الحسابات السياسية للأنظمة والعوامل الأمنية على الأرض.
    ويرى مراقبون أن تجاوز حالة العداء التكتيكي والتأسيس لسلام دائم يتطلبان العودة لمناقشة اللجان الحدودية المشتركة، وتوقيع اتفاقيات ملزمة بشأن إدارة الموارد المائية، والكف عن استخدام الأوراق الداخلية للطرف الآخر في الصراعات الإقليمية.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات