الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
الرئيسيةمقالاتالطريق إلي فكرة التيار و الثوابت الوطنية ...

الطريق إلي فكرة التيار و الثوابت الوطنية بقلم/ زين العابدين صالح عبد الرحمن

إن السؤال الذي طرحه الأستاذ حيدر معتصم مدني من ” مركز الخرطوم للحوار” يعتبر في غاية الأهمية حيث يقول السؤال ( ألا تتفق معي أخي الزين بأن قيادة حركة الفكر لأفراد قد ولى.. و أن الوقت الآن مناسب جدا لطرح فكرة “تيار وطني” تقوده مجموعة من المفكرين و الكتاب و يعمل هذا التيار على إعادة ضبط مصنع الفكر السياسي الوطني، بديلا للفكر الأيديولوجي في قضايا الثوابت الوطنية و الكيانات، و إعادة تموضع الفكر السياسي و عودته إلي وضعه الطبيعي، المتعلق بالتنافس على خدمة مصالح الناس و ترك ما للمجتمع للمجتمع) مع خالص التقدير و الاحترام على طرح السؤال..

إن قضية غياب الفكر في السياسة السودانية و خاصة في الأحزاب، هو الذي يتسبب في استمرار الأزمات التي تمسك برقاب بعضها البعض. و إشكالية الفكر في السودان و قضية الاستنارة يرجع إلي ضعف الطبقة الوسطى التي تدحرجت إلي أدنى الطبقات، و هذه الإشكالية ظلت مستمرة منذ القرارات التي أصدرها جعفر نميري في السنة الأولى للانقلاب، حيث أعلن عن سياسة ” التأميم و المصادرة” التي أثرت بشكل مباشر على عملية التنمية في البلاد، و أدت للنزوح من مناطق الانتاج إلي السكن في أطراف المدن الأمر الذي أثر بصورة سالبة على الاقتصاد، أن تتحول المجموعات التي كانت منتجة إلي مجموعات تعيش على هامش المدن على اعمال هامشية.. الأمر الذي أدى لفقدان الدولة مصادر النقد الاجنبي وتوقفت العديد من المصانع و المعامل و الزراعة بسبب عدم توفر قطع الغيار و استيراد الاسبيرات.. كان لها أثرا بليغا على الطبقة الوسطى التي ضعف دورها..

إن سياسية الجبهة الإسلامية بعد الانقلاب في إعادة التخطيط الاجتماعي، الذي كان هادفا إلي أحداث تغييرا في البناء الاجتماعي من خلال استبدال الطبقة الرأسمالية بأخرى جديدة، و الهدف خلق طبقة أوسطى جديد تساعد على التمكين، و المشكلة التي واجهت الحركة الإسلامية إنها خلقت رأسمالية طفيلية خربت الاقتصاد، و انحصرت أعمالها في السمسرة و المضاربة في النقد و العقارات، والماحفظة على النقد خارج البنوك، جميعها أثر سلبا على الاقتصاد، و أدى إلي تفشي الفساد من خلال سياسة التجنيب، أضرت بنمو الطبقة الوسطى، الأمر الذي انعكس سلبا على نشاطات و فاعليات الأحزاب السياسية، حيث توقف الإنتاج الثقافي و المعرفي و كاد يكون انعدام للإنتاج الفكري و الاستنارة في المجتمع..

إن الأفكار لا تنتج بشكل جماعي، إنما هي إنتاج لمجهودات فردية، و تتوسع الفكرة من خلال الحوارات، و الدراسات النقدية التي تتم لها، و مهمة الأحزاب و مراكز الدراسات أن تجمع هذه الأفكار و تفتح لها حوارات و تصيغها في مشاريع.. لذلك إذا تتبعنا حركة الفكر في العالم، نجد إن مارتن لوثر في المانيا الذي تنسب إليه عملية بروز المذهب المسيحي “البروتستانتي” كانت فكرة مارتن أن لا تكون الكنيسة و القساوسة هم الصلة بين العبد و ربه، و تبقى العلاقة مباشرة، و العلاقة المباشر تمنع الكنيسة من تحصيل المالي من دخول الأفراد.. هذه الرؤية سمحت للتجار و اصحاب الصناعات اليدوية أن يكون عندهم فائض للقيمة، فائض القيمة ساعد في توسيع التجارة و الصناعة, الذي مهد لخلق طبقة جديدة في المجتمع..

يقول جون هرمان راندال في كتابه ” تكوين العقل الحديث” أن مارتن لوثر لا ينحصر دوره فقط في بروز المذهب البروتستانتي، إنما فكرته هي التي جاءت بالطبقة الوسطى و التي بدورها لعبت دورا مهما في تعبد طريق الديمقراطية في أوروبا.. و يقول في ذات “المصدر ص 208” في إشارت لدور الطبقة الوسطى الجديدة ( اتسعت حلقة المثقفين اتساعا و اسعا بعد أن كانت مقصورة في السابق على الكهنة إلي حد كبير، و أصبح في حيز الإمكان تحقيق ذلك الانتشار السريع للمعرفة و الاعتقادات، و الذي نسميه عهد التنوير) لذلك نجد راندال يؤكد من خلال درسته لأوروبا من عصور الانحطاط إلي التنوير. إن أكثر الأشياء بقاء في الحضارات الإنسانية هي الأفكار.. و إذا عرجت للماركسية تجد إنها مجموعة أفكار جاء بها كارل ماركس، و تطورت من خلال أنجلز و لينين و روزا لكسمبرج و لوكاش و تروتسكي، و جون بول سارتر و روجي غارودي و غرامشي و غيرهم، كل هؤلاء كانوا وراء انتشار الماركسية التي تقوم على قوانين الجدل..

إن الفكرة عندما تكون وراءها مؤسسة، و تفتح لها منافذ الحوار، هو الذي يحولها من فكرة أحادية إلي فكرة وطنية، يؤسس بها مشروعا سياسيا، و هي التي أسس بها عبد الخالق محجوب الحزب الشيوعي، من خلال جدله الفكري مع القيادات التي كانت في قمة الهرم ” الحركة الوطنية للتحرر و الجبهة الوطنية المعادية للاستعمار” و حتى الصراع الفكري مع دعاة الديمقراطيون الثوريون.. و أنظر إلي الدكتور الترابي كيف استطاع استقطاب الشباب من خلال كتابين الأول ” حوار الدين و الفن و المرأة الأصول و التقاليد” و في فترة و جيزة “عقد و نيف” استطاع أن يحول الحزب من حزب نخبوي إلي حزب شعبي.. و أغفلت الصراعات و المكايدات الحزبية عن الإهتمام بنقد التجارب السياسية و ضياع التجارب الديمقراطية التي كانت تحتاج لدراسات نقدية علمية لمعربة اسباب أخفاق التجارب..

إن الأفكار تمثل الركان الأساس في عملية التغيير في المجتمع و كما قال الدكتور على حرب ( من لا ينتج معرفة بالمجتمع لا يستطيع المساهمة في تغييره، و من لا يبدع فكرا هو اعجز من أن يؤثر في مجرى الأحداث و هو المأزق الذي يمسك بخناق المثقف) و في ذات الفكرة يقول جورج طرابشي ( إن الديمقراطية في العالم العربي هي موضع طلب أيديولوجي شديد و لكن بدون عرض على صعيد الواقع الفعلي، و بدون تأسيس نظري على صعيد المفهوم) في السودان الاعتماد على الشعار دون الأفكار، يدل على ضعف القدارات المنتجة للأفكار في المؤسسات السياسية.. و أيضا غياب المؤسسات التي تجمع الأفكار و تفتح لها مناف للحوار.

إن المطالبة بإنتاج الأفكار، و البلاد فيها العديد من النخب المنتجة للفكر لكنها بعيدة عن المؤسسات الحزبية، و كان من المفترض أن تلعب الأحزاب دور تجمع الأفكار و فتح حوارات بينها للوصول لبرنامج وطني، غياب دور الأحزاب تصبح مراكز الدراسات و البحوث تلعب هذا الدور بمساعدة الأجزة الإعلامية للوصول إلي المطلوبة (إعادة تموضع الفكر السياسي و عودته إلي وضعه الطبيعي، المتعلق بالتنافس على خدمة مصالح الناس و ترك ما للمجتمع و بناء تيار وطني أيضا ممارس لنقد التجربة الجديدة… نسأل الله حسن البصيرة..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات