الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
الرئيسيةتقاريرعرض كتاب السلام تأسيس الوحدة وتعزيز النهضة الاستاذ/ عبد الرحمن الفادني عرض:...

عرض كتاب السلام تأسيس الوحدة وتعزيز النهضة الاستاذ/ عبد الرحمن الفادني عرض: ابوعبيده الشيخ احمد الشيخ

كتاب السلام.. حين يصبح الحوار طريقًا إلى الوطن
ليس السلام أن تصمت البنادق فحسب، ولا أن تُوقَّع الأوراق حول طاولة تفاوض، ثم يذهب كل طرف إلى موقعه منتظرًا جولة أخرى من الصراع. السلام، في معناه الأعمق، هو أن يجد الناس طريقة للعيش مع اختلافاتهم دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى حرب.
من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب «السلام» للأستاذ عبد الرحمن الفادني، أبو الشهيد؛ فالكتاب لا يقدم السلام بوصفه شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا يتعامل معه كاتفاق ينهي حربًا ويؤجل حربًا أخرى، وإنما ينظر إليه باعتباره قضية وطن، ومسألة دولة، وامتحانًا حقيقيًا لقدرة المجتمع السوداني على أن يعيد اكتشاف معنى الشراكة.
ولذلك فإن العودة إلى هذا الكتاب ليست عودة إلى صفحات الماضي بقدر ما هي عودة إلى أسئلة ما زالت مفتوحة. أسئلة الدولة والمجتمع، والحوار والاختلاف، والعدالة والمساواة، والحرب والسلام، وما الذي يجعل الاتفاق السياسي قادرًا على أن يتحول إلى سلام اجتماعي حقيقي.
رجل كتب من قلب التجربة
تزداد قيمة الكتاب حين نضعه في سياق تجربة صاحبه. فالأستاذ عبد الرحمن الفادني ليس كاتبًا يراقب المشهد السوداني من بعيد، وإنما رجل ارتبط بالعمل السياسي والبرلماني، وعاش قضايا بلاده من داخل مؤسساتها، وشارك في ساحات الحوار والتشريع، واقترب من ملف السلام ومفاوضاته اقتراب الممارس الذي يعرف أن السياسة ليست أفكارًا معلقة في الهواء، وإنما قرارات لها آثارها على حياة الناس ومستقبل الأوطان.
وقد تولى رئاسة لجنة السلام والمفاوضات بالمجلس الوطني، وهو موقع وضعه في قلب واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في التاريخ السياسي السوداني. ومن هنا جاءت رؤيته للسلام متصلة بالتجربة، ومبنية على معرفة بطبيعة الصراع، وبصعوبة الانتقال من الخصومة إلى التوافق.
وهذه النقطة تحديدًا تمنح الكتاب أهميته؛ لأن الفكرة حين تولد من التجربة تختلف عن الفكرة التي تولد من التأمل وحده. صاحب التجربة يعرف أن السلام لا يصنعه حسن النوايا فقط، وأن الاتفاقات لا تكفي وحدها، وأن بناء الثقة ربما يكون أصعب من توقيع الاتفاق.
السلام بوصفه مشروعًا
في جوهر الكتاب، يبدو السلام مشروعًا يتجاوز إيقاف الحرب إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع بعضها مع بعض.
فالسلام الذي لا تصاحبه عدالة يظل هشًا، والسلام الذي لا يجد له مكانًا داخل مؤسسات الدولة يصبح مهددًا بالانهيار، والسلام الذي يستبعد بعض مكونات المجتمع لا يستطيع أن يتحول إلى سلام وطني.
ولهذا تتداخل في الكتاب قضايا الحوار الوطني، والعدالة، والمساواة، والمشاركة السياسية، واستقلالية القرار، وطبيعة النظام السياسي. وهي في ظاهرها موضوعات مختلفة، لكنها في العمق تبحث عن سؤال واحد: كيف يمكن بناء وطن يشعر أبناؤه بأنهم شركاء فيه، لا جماعات متنافسة على حق امتلاكه؟
وهنا تتجاوز قيمة الكتاب لحظته التاريخية؛ لأنه يضع أيدينا على أصل المشكلة: فالأزمة السودانية لم تكن في غياب اتفاقات السلام وحدها، وإنما في صعوبة بناء مشروع وطني قادر على استيعاب التنوع وإدارة الاختلاف.
الحوار ليس ضعفًا
ومن بين الأفكار التي تمنح الكتاب بعده الإنساني والسياسي أن الحوار عند عبد الرحمن الفادني لا يبدو تعبيرًا عن الضعف أو التنازل، وإنما عن الوعي بحقيقة المجتمع والدولة.
فالحوار لا يعني أن يتخلى الإنسان عن قناعته، وإنما أن يعترف بأن الوطن أوسع من قناعته، وأن الحقيقة السياسية لا تُبنى دائمًا من صوت واحد.
ولعل السودان، بما يحمله من تنوع اجتماعي وثقافي وسياسي، هو أكثر البلدان حاجة إلى هذا المعنى. فالمشكلة ليست أن السودانيين مختلفون، وإنما أن الاختلاف كثيرًا ما عجز عن العثور على مؤسسات وآليات سلمية لإدارته.
وعندما يغيب الحوار، لا يختفي الاختلاف؛ بل يبحث عن وسائل أخرى للتعبير عن نفسه. وقد تكون تلك الوسائل أكثر قسوة وكلفة.
التاريخ بوصفه ذاكرة للمستقبل
ولا ينظر الكتاب إلى التاريخ باعتباره سجلًا للأحداث الماضية، وإنما باعتباره ذاكرة ينبغي أن يستفيد منها الحاضر.
فالتاريخ السوداني مليء بمحاولات التسوية والاتفاق، كما أنه مليء بانهيارات الاتفاقات وتكرار الصراعات. وبين التجربتين درس واضح: أن السلام لا يعيش بالوثيقة وحدها، وإنما بالبيئة السياسية والاجتماعية التي تحميه.
ومن هنا تصبح قراءة الماضي ضرورة للمستقبل. فالأمة التي تنسى أسباب أزماتها قد تنجح في إنهاء حرب، لكنها قد تعجز عن منع الحرب القادمة.
لماذا نعود إلى «السلام» الآن؟
ربما لأن السودان اليوم أكثر حاجة إلى إعادة قراءة الأفكار التي تناولت السلام بوصفه مشروعًا وطنيًا لا مجرد تسوية سياسية.
إن التحولات التي مر بها السودان، وما تركته من جراح وانقسامات وأسئلة حول الدولة والمجتمع ومستقبل البلاد، تجعل العودة إلى مثل هذه الكتابات أمرًا يتجاوز التوثيق إلى محاولة الفهم.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى كتاب «السلام» باعتباره نصًا يفتح حوارًا مع الحاضر. فالقضايا التي ناقشها المؤلف لم تنته بانتهاء المرحلة التي كتب فيها، وإنما ظلت تتحرك تحت سطح الواقع السوداني، حتى عادت بصورة أكثر قسوة وإلحاحًا.
كتاب يفتح الأسئلة
لهذا فإن المقالات التي ستتناول كتاب «السلام» لن تكون مجرد تلخيص لفصوله أو إعادة عرض لأفكاره، وإنما محاولة لقراءة الكتاب من جديد؛ قراءة تستحضر ظروفه، وتجربة مؤلفه، وأسئلته، ثم تضعها أمام الواقع السوداني وأسئلته الراهنة.
فالكتب المهمة لا تنتهي حين تُغلق صفحاتها؛ بل تبدأ حياتها الحقيقية عندما تعود أفكارها إلى النقاش العام.
و«السلام» واحد من هذه الكتب التي تستحق أن تُقرأ لا باعتبارها شهادة على زمن مضى فقط، وإنما باعتبارها دعوة إلى التفكير في المستقبل.
لقد كتب عبد الرحمن الفادني من موقع رجل عرف السياسة من داخلها، وعرف أن الوطن لا يحتمل أن يتحول الاختلاف فيه إلى عداوة دائمة. ولذلك ظل السلام في تجربته أكثر من اتفاق، والحوار أكثر من وسيلة تفاوض، والوطن أكثر من مساحة جغرافية تجمع المختلفين.
إنه المعنى الذي يمكن اختصاره في فكرة واحدة: لا يكفي أن تنتهي الحرب لكي يبدأ السلام؛ بل يجب أن يبدأ السلام في الوعي قبل أن يستقر على الأرض.
ومن هنا تبدأ قراءة «السلام»؛ كتابًا، وتجربةً، وشهادةً، وسؤالًا مفتوحًا عن السودان الذي يمكن أن يكون.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات