الحروب في اي مكان و زمان لها حكايات و قصص و روايات تلقي بظلالها على المجتمعات فتغير في سلوكها ، و نمط حياتها ، و تعاملاتها وطريقة تفكيرها ، فتصير جزءاً من ذاكرتها….
بعضها يكتب في أسفار التاريخ وتبقى على مر الأزمان مرجعاً للبحث عن حقائق تلك الحقبة…. وبعضها يروى من ذاكرة المعاصرين فتنقل الرواية جيلاً عن جيل…
وكلٌّ يؤخذ به إذا كان الكُتَّاب و الرُّواة من الثقاة….
كثيراً ما تغير من طريقة كتاباتي مواقف ماثلة عياناً بياناً ، أو رواية تروى بياناً . فتجبرني على التعبير عنها في وقتها قبل أن تختفي الرؤية عن ناظري ، و تتفلت المعلومات من خاطري كما الطرق على الحديد الساخن…..لأن الحديد إذا برد يصعب تدويره أو تشكيله…..
مدينة الأبيض حالها حال المدن التي عاشت فواجع الحروب ، و ذاقت مرارات الخوف ، و الجوع ، و العطش ، و التهديد لا بد لها من حمل الكثير من آثار هذه الفواجع و المواجع في جعبتها و العيش في ذاكرتها……فرأيت أن أطرق على هذه الذاكرة في حداثتها قبل أن تشيخ و تتفلت منها المعلومات . و رب محدثٍ تجده اليوم و لا تجده غداً… و رب معلومة في حياة تقبل التصحيح و التعديل ، و بعد الممات تخضع للمزايدة و التدليس و التأويل . دائماً تزييف التاريخ يقع في غياب المحدثين و الكتاب و المعاصرين لأن بغيابهم يغيب المدافع عن الحقيقة فتطمس معالمها بين المدلسين و المؤولين و هذا يصدق مثل أهلنا القائل :
(الكضاب يازولاً جاي من بعيد ، و لا شايبن ما عندو نديد) …….
لو كنت حاضراً في قلب الحدث أو قريباً ممن عاصروه ، لخرجت كل يوم بقصة و حكاية أو رواية من روايات الحرب . لكن بُعْدي عنها دفعني للأخذ من المعاصرين و أكتب بلسان حالهم لعلهم يصححوا ما أكتب و يدافعوا عن ما يقولون ، أو أعزز بالإضافة لما يكتبه الآخرون…….
زرت العام الماضي ٢٠٢٥م في مثل هذه الأوقات من شهر أغسطس قادماً من أرض المهجر مدينة الأبيض مستأنساً بجمالها ، مستمعاً لأهلها ، شاهداً على حالها ، و مستمتعاً بأجوائها الخريفية المطيرة في وقت كانت تشتد عليها الهجمات بمسيرات مليشيا الدعم السريع ، و ينفح فيها الإعلام المضلل سمومه للترويع . فأمْلَت عليَّ نفسي أن أوظف قلمي و أطوع حروفه لبيان الحقيقة من قلب الحدث . و كان عمودي على وسائل التواصل( صباحات الأبيض ) يسفر بحقيقة ما يجري على أرض الواقع كل صباح . لينقل الحقيقة للقاصي و الداني دون زيف أو تضليل…..
اليوم أجد نفسي بعيداً عن الوطن لكني لم و لن أدخر جهداً في البحث عن الحقيقة من مصدرها…..
بالأمس في مدينة القاهرة جمعتني الصدفة بأخ فضل حجب اسمه و هو من أبناء مدينة الأبيض جاء مستشفياً نسأل الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل…..الرجل موظف بإحدى الشركات بمحلية شيكان و له معلومات جمة عن المدينة . و عن عادات و مفردات أهل كردفان كما هو (حسيبنا ) نسباً و لم أكن أعرفه من قبل . و كان هذا سبباً في لقائنا … فسرحنا في الحديث عن الأبيض ، و عن الطفولة و سني الدراسة الأولية سيما كلانا تلقى دراسته بالريف . فأتى هو من جنوب كردفان (الحالي) مدينة الحمادي حيث كانت طفولته ثم انتقل الى مدينة الأبيض، و أنا من شمال كردفان (الحالي) من مدينة جريجخ….و قولي الجنوب الحالي و الشمال الحالي لأن كلا المدينتين كانتا في ذلك العصر تحت مظلمة مديرية كردفان و عاصمتها الأبيض حتى سبعينيات القرن الماضي … لذلك وجدنا أنفسنا نحمل نفس المفردات و نفس الثقافات . و لمست فيه وعياً و إدراكاً كبيرين بما يدور في أروقة و أزقة المدينة مما وفر ثقتي فيما سرد من أحداث….
من خلال حديثنا عن تداعيات الحرب على مدينة الأبيض عرجنا على مدى تأثير مسيرات مليشيا الدعم السريع على الأعيان و الأرواح في المدينة . و بعد جرد الخسائر التي صاحبتها قدرنا أنها كانت أخف قدراً عن بقية مدن السودان التي اجتاحتها المليشيا فدمرت أعيانها ، و زهقت أرواحها و عبثت بمقدراتها . و من سياق الحديث قلنا أن دعوات أهل الأبيض و تهجدهم و تضرعهم و قنوتهم لله في وقت الشدة جعلهم أقرب إليه فوسعهم برحمته و شملهم بعنايته فسرد لي موقفاً يدلل على تلك السعة من الرحمة و العناية فقال : أنه في بداية الحرب كان الجنجويد داخل المدينة من اتجاهها الغربي و الجنوبي و الشمالي و كانت قيادة الهجانة و كل أعيان المدينة في مرمى مدفعيتهم و مسيراتهم و بالرغم من عدد العربات و المسيرات و كثافة الذخيرة على الأعيان إلا أنهم لم يصيبوا إلا أجزاءاً قليلة منها في حين أن أغلب الضرر أصاب المواطنين في ممتلكاتهم الخاصة من محطات وقود و مخازن مؤن و بضائع و عربات….
قال : و الحديث لمحدثي أنه سمع من أحد ثقاة المدينة كان شاهداً على حادث سقوط مسيرة في السوق الغربي في المدينة سقط على إثرها رجل كبير . و مع سقوطه ميتاً انفلت التلفون نوع ( ربيكة ) من يده ، فالتقطه الرجل الشاهد و وجد مكالمة جارية فاستقبلها ، فإذا بالمتصل يقول يا أبوي المسيرة (وقعت وين؟) . فأجابه الشاهد : يا ولدي المسيرة وقعت فوق أبوك الله يرحمه…..
و اتضح من المكالمة أن الرجل المتوفي كان يصحح أهدافاً مدنية للمسيرات . و أن المتصل هو ابنه ، كما وضح أن ابناؤه الثلاثة مجندين في صفوف الدعم السريع بالدبيبات….
يقول شاهد العيان أن المتوفى كان يسكن أحد الأحياء الغربية بمدينة الأبيض و أقيم له صيوان عزاء . و قال أنه شاهد أبناء المتوفى في اليوم الثاني جاؤوا على متن ستة عربات قتالية تتقدمها ستة مواتر استطلاع . وبعدها بقليل وصل الأبناء مكان العزاء و بعد ما تقبلوا التعزية من الحضور ، تقرب منهم رجل كبير في السن من اهل الحي و سأل أحدهم :
يا ولدي هسع انتو الجابركم شنو عشان تجهجهونا و تجهجهوا أهلكم ؟ محاولاً اقناعهم بالعدول عن موقفهم لكنه رأى منهم الإمتعاض من كلامه فتغير مجرى الحديث فقال أحدهم : والله يا عم الحاج داير النصيحة الأبيض دي فيها حاجة ما طبيعية . و قال : نحن نتبع للقائد شريا و في بداية الحرب قام بتقسيمنا إلى ثلاثة محاور من الجنوب و من الغرب و الشمال لمهاجمة و احتلال الأبيض….. قال والله لغاية ما دخلنا السوق الغربي بالليل و بدينا استهداف قيادة الهجانة عن قرب لكن كلما ضربنا مدفعية نشوف قدامنا (جبل عديل) و تصويبنا كله في الجبل حتى قريب الصباح لقينا نفسنا جوة المدينة فانسحبنا بسرعة و جمعنا عند القائد ( شريا ) وحكى لنا نفس الشيء حدث له في المحور الجنوبي الذي كان يقوده هو ،و قال بالحرف الواحد: ” يا جماعة الأبيض دي بتكملنا أحسن نختوها ” . و بعد هذه الحادثة قتل شريا في المحور الجنوبي….
ليست العبرة في العناية الإلهية لمدينة الأبيض فحسب . فذاك أمرٌ يعلمه الله و ليس عليه بعزيز . لكن العبرة في آن يكون ثلاثة أشقاء في صفوف مليشيا الدعم السريع…
و يكون والدهم عميلاً يصحح الأهداف لتدمير الأعيان و ممتلكات و أرواح المواطن . و يلقى حتفه بذات المسيرة التي يصحح لها الهدف كأنما أراد الله أن يجعل كيده في نحره ، و يسعى برجله لقبره ، و يكون مصيره كمن ( سعت لحتفها بظلفها )…….
ما أكثر مثل هؤلاء الخونة و العملاء بمدينة الأبيض….
حسناً فعلت السلطات بحملاتها لتطهير المدينة من الخونة و العملاء و المتعاونين . و منهم من قضى ( إعداماً )و منهم من ينتظر ( أحكاماً )…. و نتمنى ألا تأخذها عليهم رأفة في القانون و في حدود الله لينعم مواطن هذه المدينة الفاضلة و أهل كردفان بالأمن و الاستقرار……
و من نعم الله و عنايته على الأبيض أن كف عنها أكبر مؤامرة في التاريخ كانت ستأتيها من مدن أم سيالا وجبرة الشيخ و أم قرفة و جريجخ و بارا التي تحصن فيها العدو لاكثر من عامين و تجهيزه أضخم عتاد من أنواع السلاح المتطور لمهاجمتها و احتلالها…. و أبعد عنها شبح الخوف و التهديد و الوعيد لتنام آمنة في كنف العناية الإلهية……
و اقول بعد الحمد و الشكر لله لأهل الأبيض : …. كونوا مع الله يكن معكم…. وإن تنصروا الله ينصركم و يثبت اقدامكم….
نصرٌ من الله و فتح قريب…..
الأستاذ / الغالي الزين حمدون ..
٢٠٢٦/٨/٣م …
