تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
في خطوة تحمل دلالات إستراتيجية عميقة،في واحدة من أكثر الممرات المائية تأثيرا في العالم، أعلنت وزارة الخزانة والخارجية الأمريكية إنهاء حالة الطوارئ الوطنية، وتجاوز العقوبات التي أُقرت عام 2021 على إريتريا.
إزالة”قوات الدفاع الإريترية”،والحزب الحاكم “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”، وشركات إقتصادية سيادية من قائمة الخزانة السوداء (OFAC)،لاتشكل مجرد تطور في العلاقات الثنائية بين البلدين فحسب،بل تعكس تحولاً بنيويا كبيرا في كيفية إدارة “واشنطن” لصراعات القرن الإفريقي والملاحة في البحر الأحمر،لاسيما وأن المنطقة تؤثر بشكل مباشر وفعال فى حركة السياسة والإقتصاد والتجارة والأمن فى العالم.
* خلفية العقوبات وتغير الواقع الإقليمي:
كانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق”جو بايدن”،قد فرضت عقوبات مشددة في نوفمبر من العام (2021)،بموجب الأمر التنفيذي رقم (14046)،وذلك إثر تدخل القوات الإريترية في حرب إقليم “تيغراي”شمال إثيوبيا.
لكن ومع إنقضاء مفعول حالة الطوارئ الوطنية وعدم تجديدها،إعتبرت الإدارة الأمريكية أن “المستجدات والواقع الحالي”،يتطلبان تكييف السياسة الخارجية المتعلقة بالمنطقة ككل،والمرتبطة بأسمرا علي وجه الخصوص،بما يخدم إتجاهات المصالح،وبما يقلل من حدة التقاطعات التي تؤثر علي الأهداف الأمريكية المختلفة.
*الموقف الإريتري:
رحبت أريتريا بالقرار الأمريكي،على لسان وزير إعلامها “يماني جبر مسقل”،واصفة العقوبات السابقة بأنها كانت “غير مبررة”وألحقت أضراراً إقتصادية كبيرة،ومعربة في ذات الوقت عن تطلعها لبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة.
*الموقف الأمريكي:
فيما أكدت وزارة الخارجية أن الخطوة تهدف مباشرة إلى “تعزيز المصالح الإقليمية للولايات المتحدة”،والتعامل المرن مع حلفاء وشركاء الممر المائي المتوتر.
يأتي ذلك كله،في الوقت الذي تلعب فيه الحسابات “الجيوسياسية”دورا كبيرا فى رسم معادلات المنطقة المختلفة،إذ تمتلك إريتريا شريطاً ساحلياً يمتد لأكثر من (1000) كيلومتر على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر،بجانب سيطرتها على أرخبيل “دحلك”،فضلا عن موقعها المتاخم لمضيق باب المندب.
وفي السياق،أبانت تحليلات سياسية مختلفة،أن “واشنطن” تمتلك دوافع متباينة لإعادة كسب “أسمرا”،أبرزها:تأمين أمن الملاحة و”باب المندب”،خاصة في مايتعلق بمواجهة التهديدات المستمرة على شريان التجارة العالمي، والحاجة لشريك ساحلي قوي،يمتلك سيطرة أمنية صارمة على حدود الممر المائي الأكثر أهمية فى العالم.
وفي غضون ذلك يبرز الدافع الأكبر لأمريكا من وراء إتخاذ مثل هكذا قرار،وهو كبح جماح النفوذ الخارجي،والحد من التمدد “الروسي والصيني”في الساحل الإفريقي للبحر الأحمر،حيث تسعى القوى المنافسة لتأمين موانئ وقواعد لوجستية تسهم فى تأكيد تغلغل الدولتين فى البحر الأحمر،بمايخدم مصالح “روسية وصينية” مشتركة،تضعف التحكم الأمريكي الآحادي فى الشرق الأوسط برمته.
كذلك،يمكن قراءة القرار الأمريكي من زاوية أخري،بأنه مسعي لإحداث توازنات وتوظيف للعلاقات مع “أسمرا”،وإعتبارها أداة ضغط،لتوجيه بوصلة التوترات المتصاعدة والصراعات المتواصلة بين “أديس أبابا”وجيرانها بغرض الوصول إلى البحر.
لا يمكن فصل القرار الأمريكي عن ملف الملاحة البحرية وموازين القوى البحرية،إذ إن رفع الغطاء العقابي يمهد الطريق
لحوار عسكري وإستخباري،مع إمكانية بدء تنسيق أمني “أمريكي-إريتري”لتأمين حركة السفن وتنسيق الدوريات البحرية قبالة الساحل الغربي،بجانب فتح الباب أمام شركات الطاقة والتعدين والبنية التحتية للإستفادة من الموانئ الإريترية(عصب ومصوع)،والغنية بالمواد الخام.
أيضا يهدف القرار الأمريكي،لإعادة تحجيم الكيانات غير الحكومية،و إنهاء عزلة “أسمرا”بما يعزز منظومة “الدول الساحلية” في إدارة أمن البحر الأحمر بدلاً من إعتماد حلول أمنية مؤقتة.
وعلى الرغم من الحفاوة الرسمية في “أسمرا” بالقرار،يرى مراقبون أن الخطوة لا تخلو من مخاطر وتوازنات دقيقة،منها متعلقات ملف حقوق الإنسان والعدالة الإنتقالية،خاصة وأن القرار يُواجه بنقد من أطراف حقوقية،ترى أن رفعه قد يُقرأ كنوع من الإفلات من العقاب عن التجاوزات خلال حرب “تيغراي”.
قد يثير التقارب الأمريكي الإريتري ريبة داخل الحكومة الإثيوبية،خاصة مع بروز الخلافات القائمة بين “أديس أبابا وأسمرا”، حول الترتيبات الحدودية وإستعادة المنفذ البحري.
*قرار الإدارة الأمريكية للتماهى مع معطيات الواقع الراهن:
ويرى الباحث والمحلل السياسي “أحمد قاسم البدوي”،أن رفع العقوبات الأمريكية عن أريتريا، حدث لا يمكن قراءته بمعزل عن تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر ومنطقة باب المندب،نظراً لموقع “إريتريا”الجغرافي والحيوي،المقابل للسعودية واليمن.
وإعتبر “البدوي” أن هذا القرار إتخذته الإدارة الأمريكية للتماهى مع معطيات الواقع الراهن وتعزيز مصالحها الإقليمية.
“البدوي” قال:أمريكا في كل حال من الأحوال في ظل هذه التوترات الأمنية في منطقة البحر الأحمر، تحتاج إلى تحالفات أكثر من حوجتها لبناء عداوات مع أطراف دولية،يمكن أن يكون لها دور كبير في خفض التوترات ومحاربة أي تهديدات تتعلق بأمن البحر الأحمر.
يمثل قرار “واشنطن” بإنهاء العقوبات عن إريتريا،إنتقال صريح من مبدأ “دبلوماسية العقوبات والضغط الأخلاقي”إلى العمل بمبدأ “واقعية المصالح الأمنية والإستراتيجية”،في عالم تتزايد فيه إضطرابات الممرات البحرية،وتشتعل فيه المنافسة بين القوى الكبرى.
ومما لاشك فيه،أن واشنطن إختارت إزالة العوائق القانونية أمام أسمرة، لإعادة إدماجها كلاعب رئيسي في معادلة الأمن القومي للبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
