دكتور إسماعيل الحكيم
إن مطبخ التأسيس التقني في بكين وبحضور الخرطوم يعيد كتابة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً ، ففي الوقت الذي يراهن فيه الكثيرون على شطب السودان من معادلات الجغرافيا السياسية، ويحبسونه في زوايا الأزمات المتلاحقة، جاء الرد من بكين صامتاً في شكله، مدوياً في مضمونه. وذلك بتوقيع السودان في 17 يوليو على الاتفاقية المنشئة للمنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي ، إذ لم يكن إنجازاً بروتوكولياً يُضاف إلى أرشيف وزارة الخارجية، بقدر ما كان اختراقاً استراتيجياً اقتنصت فيه الخرطوم مقعداً بين 35 دولة مؤسسة لأهم تكتل تقني يُعاد من خلاله ترسيم حدود القوة في القرن الحادي والعشرين. إن هذا التواجد السوداني في مرحلة التأسيس الأولى، إلى جانب دول كفيتنام وإيران وتوغو وبروناي، وبحضور رفيع المستوى لمساعد وزير الخارجية الصيني ليو بين، يمثل ضربة صريحة في جدار الاحتكار التقني الغربي الذي فرض عقوداً من الارتهان المعرفي، ليضمن للخرطوم صوتاً نافذاً في صياغة قواعد اللعبة ودستور الحوكمة الرقمية بدلاً من البقاء في خانة المستهلك.
ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بعيداً عن العمق التاريخي الممتد للعلاقات السودانية الصينية؛ فعندما فرض الغرب حصاراً واقتصاراً تقنياً واقتصادياً على السودان في تسعينيات القرن الماضي، كانت بكين هي الشريك الذي قاد ملف استخراج النفط وبناء البنية التحتية بجرأة واستراتيجية مشهودة. واليوم، تعيد الخرطوم وبكين إنتاج ذات المعادلة التاريخية ولكن بأدوات الثورة الصناعية الرابعة، حيث تدرك الصين أن بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يتطلب حلفاء تاريخيين يمتلكون الإرادة، بينما يقدر السودان أن بكين تمنح شريكها التكافؤ والتمكين والتكنولوجيا العابرة للحدود، لا الوصاية والابتزاز السياسي.
غير أن هذا الاختراق الدبلوماسي العالمي يظل جسداً بلا روح ما لم يجد مستقره على أرض الواقع الوطني، وهنا تحديداً تتجلى العبقرية الاستراتيجية في تكامل الأبعاد؛ حيث التقاط القفاز محلياً عبر منصة بلدنا القومية لتبادل البيانات والمعاملات الحكومية، التي أطلقتها وزارة الاتصالات والتحول الرقمي. إن العلاقة بين الخطوتين هي علاقة تكامل عضوي ولازم؛ لا علاقة تفاضل ، فمنصة بلدنا تشكل الوعاء الوطني والبنية التحتية الصلبة التي تجمّع البيانات وتدير المعاملات السيادية والاقتصادية، بينما يوفر الانضمام لمنظمة الذكاء الاصطناعي” المحرك الذكي والخبرات الصينية المتقدمة لتغذية هذه ٨ ٩٩ن المنصة بخوارزميات الأتمتة، وتحليل البيانات الضخمة، وتعزيز الأمن السيبراني.
إن هذا التلاحم بين الشراكة الدولية في بكين والتطبيق الوطني في بلدنا يضع الدولة السودانية على أعتاب مرحلة جديدة من السيادة الرقمية؛ حيث تتحول المنصة القومية من نافذة للمعاملات إلى بيئة تفاعلية ذكية تقود كفاءة الصادر والوارد، وتكافح الفساد، وتخدم المواطن والقطاع الخاص بحلول استباقية. لقد وضع السودان قدمه في المكان الصحيح على الخارطة العالمية، وجسّد مفهوم تعاونالجنوب العالمي في أبهى صوره، ليبقى الرهان الشامل على قدرة مؤسساتنا الوطنية في ربط هذه المكاسب الدولية بمنصة بلدنا وتحويل المقعد التأسيسي إلى نهضة تقنية ملموسة تعيد بناء الدولة على قواعد المستقبل.
