يستحق أوائل الشهادة السودانية التكريم والاحتفاء. فما إن تُعلن نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية السودانية، حتى تتسابق الكاميرات وأجهزة الإعلام نحوهم، وتتجه الدولة والجهات الرسمية والشركات إلى تقديم الهدايا والاحتفاء بالمتفوقين.
لكن التكريم، مهما بلغت قيمته، ينبغي ألا يكون نهاية الطريق.
فالوسام يُعلَّق، والصورة تصبح ذكرى، والاحتفال ينتهي، بينما يبدأ بعد ذلك أهم فصل في حياة الطالب النابغة؛ حين تبدأ الأسرة والطالب رحلة البحث عن فرص التعليم الجامعي وبناء المستقبل.
من هنا تبدو الحاجة إلى خطة وطنية واضحة لرعاية أوائل الشهادة السودانية، لا تكتفي بتكريمهم، وإنما تفتح أمامهم فرصاً حقيقية لمواصلة تعليمهم في أفضل الجامعات، داخل السودان وخارجه، وفق معايير معلنة وعادلة.
يمكن لوزارتي التعليم العالي والخارجية، بالتنسيق مع الحكومة، بناء شراكات رسمية مع جامعات عربية وعالمية مرموقة، وتخصيص مقاعد وفرص تعليمية للطلاب المتفوقين، مع توفير الدعم الأكاديمي والمالي والإجرائي، ومتابعة مسيرتهم العلمية.
فالدولة التي تنجح في اكتشاف عقل نابغ، لا ينبغي أن تترك مستقبله للصدفة أو للقدرة المالية للأسرة.
نحن لا نحتاج فقط إلى أن نحتفل بمن جاء أولاً في الشهادة السودانية، بل نحتاج إلى أن نسأل: ماذا نريد أن يكون هذا الطالب بعد عشر سنوات؟
إن رعاية الأوائل تحتاج إلى خطط واضحة ترسمها الدولة، وتعمل من خلالها على صناعة المستقبل لهذه العقول النيرة.
وفي الخاطر أوائل الشهادة السودانية للعام الماضي. هل سألت الدولة أين هم الآن؟ وهل تمكنوا من الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي؟ وهل بدأت بالفعل رحلة رعايتهم العلمية، أم أن التفوق انتهى عند إعلان النتيجة، والتكريم، والصورة، ثم انفضّ السامر؟
أين رهف الأمين البشير، ومؤيد الصادق الأمين، وزينب يس محمد، ومحمد هشام عبدالمنعم سليمان، وإحسان أحمد محمد يحيى، وشهد بدر الدين محمد أحمد، ومصطفى صلاح، وآية هيثم فيصل أسعد، ومحمد مدثر محمد النور دياب، ورزان السيد إمام الدين علي، ورماز معاوية عوض أحمد، ومحمد عبدالهادي محمد، وحلا أحمد التجاني الأمين، وأحمد جعفر عبدالله، وأشرق الواثق عمر عبدالرحيم، وأحمد المجتبى هشام عبدالرؤوف، وتبيان محمد طاهر؟ هؤلاء كانوا من أوائل الشهادة السودانية في العام الماضي. هل يعلم أحد أين هم اليوم، وإلى أين مضت بهم رحلة العلم؟ السؤال ليس عنهم وحدهم، ولا عن تكريمهم في ذلك الوقت، وإنما عن مسؤولية الدولة تجاه العقول التي أثبتت قدرتها وتميزها.
فالتفوق لا ينبغي أن يكون مناسبة سنوية للاحتفال، ثم يُترك صاحبه لمواجهة المستقبل منفرداً. التكريم لحظة… أما بناء المستقبل فمشروع دولة.
