كتب/ د. اسماعيل الحكيم
لم تكن الحربُ يوماً صِراعاً على المَجال، ولكنها كانت دوماً امتحاناً لِقدرةِ الشعوبِ على ابتِكارِ أسبابِ الحياةِ من قلبِ الخَراب. وفيما تحمي سواعدُ الأبطالِ حِياضَ الوطن في معركة الكرامة، تَرْتَسِمُ في العمقِ معركةٌ أخرى لا تَقِلُّ جَلالاً ولا استراتيجية ، معركةٌ هادئةٌ بظاهِرِها، داويةٌ بِمضمونها، تُثبِتُ من خلالها مؤسساتُ الدولةِ حقيقةً تاريخيةً واحدة: أنَّ صُمودَ المُمَالِكِ والدُّوَلِ لا يُقاسُ بِسَماكَةِ أسوارِها ولا بِمنَعَةِ حِصانَتِها، إنّما يُقاسُ خَالِصاً بِسَعَةِ عُقولِها ؛ تلك العقول التي متى ما استُعِيدَت بيئتُها وصِينَ كرامتُها، استعادَت العاصمةُ أنفاسَها.
في هذا المِفصَلِ الاستثنائي، يَبْرُزُ الصندوق القومي لرعاية الطلاب لا كَمُؤسسةِ خِدْماتٍ تنفيذيةٍ ، إنما كَصانِعِ جُسُورٍ يربطُ بينَ واقعٍ محتشدٍ بالتحديات ومُستقبلٍ مملوء بالثقة. وقد تجسّدت هذه الرؤية في خطة متكاملة لهندسة العودة استُهلّت بمرحلة أولى شهدت استعادة وتأهيل 10 داخليات أوت أكثر من 9,300 طالب، ليتواصل هذا العطاء بسرعة واقتدار في مرحلته الثانية بتأهيل 7 داخليات إضافية بطاقة استيعابية تتسّع لـ 5,000 طالب.
إنَّ إيواءَ ما يربو على 14,000 طالب في قلبِ العاصمةِ وتحتَ وَطْأةِ الظروفِ الراهنة، هو أبعدُ بكثير من مجرد توفير أسقف وأسرّة؛ إنه بمثابة إعلان سيادي عن انتعاشِ الوعي، وتأكيد عملي على أن البيئة السكنية الأكاديمية هي النواة الصلبة التي تُبنى عليها سَعَةُ الفِكرِ لِتنعكِسَ ثَباتاً على الأرضِ واستقراراً في المجتمع.
ويكتملُ بَهاءُ هذا المنجزِ بالتقائهِ الدقيق والتزامنيّ مع القرار الاستراتيجي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي القاضي بالعودة الشاملة لجميع الجامعات إلى العاصمة، متوازياً في خط مباشر مع مشروع العودة الطوعية للمواطنين. إن هذا التناغم المؤسسي الرصين يبعث برسالة قوية الأبعاد، مفادها أن الخرطوم لا تُستعاد بالسلاح وحده، وإنما تُحْمَى وتُعْمَرُ بحُضورِ عُقولِها؛ إذ يمثّل تدفق الطلاب إلى مقاعد دراستهم ومجمعاتهم السكنية الصدمة الكهربائية الكفيلة بإعادة النبض إلى شرايين المدينة.
إنَّ الأمَمَ التي تدركُ أنَّ بناءَ الإنسانِ يسبقُ بناءَ البنيان ، وأنّ الاستثمار في العقل هو الاستثمار الأوحد الخارج عن قوانين الخسارة، هي وحدَها القادرةُ على النهوضِ المقتدر من بينِ الركام. فالطلابُ ليسوا شريحة ثانوية ، ولكنهم العصب المفكر والركيزة التي لا تتزعزع لسودان ما بعد الحرب. ومن هنا، فإن العزيمة الراسخة التي أبداها صندوق الطلاب في تذليل العقبات وتأهيل المجمعات ليست إلا استثماراً مؤزراً في الغد، ودليلاً ساطعاً على أن البلاد موعودة بنهضة حضارية غير مسبوقة.
إننا وإذ نثمن عالياً هذا الجهد الوطني الفاخر والتخطيط السديد، نؤكد أن هذه الإرادة الصلبة هي الرهان المضمون لاستعادة العاصمة لمنزلتها؛ لتظل الخرطوم بسواعد أبنائها وعزيمة مؤسساتها تتسامى فوق المحن، وتنفض عنها غبار السنين، لتعود كما كُتب لها في سفر التاريخ: عروساً للمدن، وإشراقةً سرمديةً بين العواصم.
