يُدهشك هؤلاء الأراجوزات الذين يظهرون فجأة في عواصم الضباب وغرف المخابرات، ثم يقفزون فجأة ليهبطوا في تل أبيب! يرتدون بدلاتهم الأنيقة، ويوزعون الابتسامات الباهتة أمام الكاميرات، ويدّعون بصلف غريب أنهم يمثلون “الشعب السوداني”.
عن أي شعب تتحدثون يا هؤلاء؟ والشعب الذي تتاجرون باسمه إما نازح في العراء، أو يبحث عن كسرة خبز تحت دوي المدافع!
الحقيقة التي لا تحتاج إلى تجميل هي أن هذه الكائنات المجهرية ليس لها وجود في قائمة الشرف السوداني، ولا تزن مثقال ذرة في مكونات مجتمعنا الأهلية أو السياسية. هم مجرد “مُشاة” في رقعة شطرنج خارجية، وعملاء يعرضون خدماتهم بـ “القطاعي” في سوق النخاسة السياسي لمن يدفع أكثر. يتحركون بـ “ريموت كونترول” عابر للحدود، ويبحثون عن شرعية مفقودة في الخارج لأنهم يعلمون أن الداخل يلفظهم كما يلفظ الجسم السليم الخلايا السرطانية.
المعادلة مكشوفة لدرجة تثير الغثيان: إسرائيل لا تمنح صكوك الغفران بالمجان، وهؤلاء لم يذهبوا إلى هناك حاملين هموم جياع السودان، بل ذهبوا حاملين “دفتراً للشيكات” و”فاتورة بيع” لسيادة وطن.
لكن المضحك المبكي في هذا السيرك، هو سذاجة المراهنة الإسرائيلية نفسها. فماذا تريد تل أبيب من سودان يمر بأعقد أزماته؟ هي لا تبحث عن سلام مع جثث، ولا يعنيها رخاء المواطن السوداني في شيء. إسرائيل تريد “الجغرافيا”؛ تريد وضع يدها على البحر الأحمر وخنق العمق الاستراتيجي للمنطقة. تريد “الموارد”؛ وعينها على ثروات بلدٍ أضاعه سماسرة السياسة. والأهم، تريد “الرمزية”؛ كسر كبرياء عاصمة “اللاءات الثلاث”، وتحويل السودان من حصن للمواقف المبدئية إلى مجرد مخفر أمني تابع لإملاءاتها.
المراهنة على دمى الغرف المغلقة وسماسرة “الدبلوماسية اللزجة” هي مراهنة على سراب يحسبه الظمآن ماءً. فالذي يدخل المشهد عبر بوابة العمالة والتكسب بريع الأوطان، لن يجد له شبراً واحداً في مستقبل هذا البلد.
السودان ليس بضاعة منتهية الصلاحية تُعرض في مزادات البيع السرية، وشعبنا الحر رغم جراحه النازفة يملك ذاكرة حادة كالمشرط، ويعرف تماماً كيف يفرق بين أبنائه المخلصين القابضين على الجمر، وبين ثلة من المسترزقين الذين يبيعون كرامة الوطن مقابل ثمن بخس وصور تذكارية في تل أبيب.
آخر الكلام:
سيمضي السماسرة إلى أقرب مزبلة للتاريخ.. ويبقى السودان عصياً على البيع والشراء.
