كانت السكة الحديد في السودان أكثر من مجرد قضبان من فولاذ، كانت شريان وطن، ولسان حضارة، وعنوان دولة تعرف كيف تُدار. منذ بداياتها في أواخر القرن التاسع عشر، ثم توسعت حتى غدت من أطول شبكات السكك الحديدية في إفريقيا، ربطت الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، وحملت الإنسان قبل البضائع، والأمل قبل المتاع. كانت صفارة القطار تعلن ميلاد الصباح، وكانت محطاته ملتقى الناس، وكانت ورشها مدارس للصناعة والانضباط والإتقان.
تعاقب على إدارتها رجال تركوا بصماتهم، قادة عرفوا قيمة المؤسسة، وأدركوا أن السكة الحديد ليست مجرد مرفق، بل هي هيبة دولة. فمنهم من سهر على تطويرها، ومنهم من حافظ على انضباطها، حتى أصبحت مضرب الأمثال في الدقة والنظام والكفاءة.
أما اليوم… فيا للأسى، ويا لوجع القلب. أين القضبان؟ وأين العربات؟ وأين القاطرات؟ وأين الورش التي كانت تضج بالحركة؟ لقد صار المشهد يبعث الحزن قبل الدهشة، ويستدعي البكاء قبل الكلام. قضبان اقتُلعت، وآليات تبعثرت، ومعدات تفرقت، وكأن إعصاراً مر بالمكان فلم يترك حجراً على حجر.
وفي الخرطوم خاصة، يقف الإنسان مذهولاً أمام هذا المنظر التعيس. هنا رافعة مهجورة، وهناك عربة محطمة، وفي زاوية أخرى معدات ألقيت بلا حراسة ولا صيانة، كأنها خردة لا تاريخ لها، ولا قيمة لها، ولا أصحاب يدافعون عنها. هل هذه هي ممتلكات شعب؟ أم غنائم حرب؟ أم آثار مدينة اندثرت؟ أي قلب يرضى بهذا المشهد؟ وأي ضمير ينام مطمئناً وهو يرى هذا الإرث الوطني يتبدد أمام العيون؟
إن ضياع قضبان السكة الحديد ليس ضياعاً لحديد، وإنما ضياع لهيبة الدولة، وإهدار لمال الأمة، واعتداء على حق الأجيال القادمة. فالحديد يمكن شراؤه، أما التاريخ فلا يُشترى، والمعدات يمكن تصنيعها، أما الثقة إذا ضاعت فلا تعود بسهولة.
إن المسؤولية اليوم ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية كل أجهزة الدولة. فلا بد من حصر المفقود، ومراجعة الموجود، ومحاسبة كل من قصّر أو أهمل أو اعتدى على المال العام. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالمحاسبة، ولا تُصان بالخطب، وإنما تُصان بالقانون.
لقد كانت السكة الحديد مدرسة في الانضباط، فأصبحت درساً في الإهمال. وكانت رمزاً للوحدة، فأصبحت شاهداً على التشتت. وكانت قاطرة للتنمية، فأصبحت محطة للألم. وما نراه اليوم ليس مجرد خراب منشآت، بل خراب ضمير، وانكسار إدارة، وتراجع إحساس بالمسؤولية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة: من اقتلع القضبان؟ ومن ترك الآليات نهباً للضياع؟ ومن سمح لهذا الإرث العظيم أن يتحول إلى مشهد بائس يجرح ذاكرة السودانيين؟ إن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والمال العام أمانة، ومن خان الأمانة سيقف يوماً أمام عدالة الأرض أو عدالة السماء.
والله المستعان.
