● كيف تشكّل العقل الجمعي السوداني؟
في الحلقة الأولى خلصنا إلى فرضية مفادها أن السودان لا يعيش أزمة حرب بقدر ما يعيش أزمة عقل جمعي، وأن السياسة ليست سوى انعكاس للطريقة التي يفكر بها المجتمع. لكن هذه الفرضية تفتح سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كان العقل الجمعي هو أصل الأزمة، فمن الذي شكّل هذا العقل؟ وكيف تكوّنت الطريقة التي ينظر بها السوداني إلى الدولة، والسلطة، والهوية، والآخر؟
هذا السؤال لا يبحث عن متهم، وإنما يبحث عن الجذور. فالعقول لا تُولد مكتملة، ولا تتشكل في يوم أو عام، وإنما هي حصيلة تاريخ طويل تتداخل فيه الجغرافيا، والثقافة، والتعليم، والدين، والاقتصاد، والسياسة. وكل مرحلة من تاريخ السودان تركت طبقة جديدة في الوعي الجمعي، حتى أصبح ما نراه اليوم نتاجاً لتراكمات ممتدة، لا لحدث واحد.
لقد عرف السودان عبر تاريخه الطويل ممالك وسلطنات وإدارات أهلية وأنظمة حكم مختلفة، وكان الولاء في أغلب تلك المراحل يتجه نحو الجماعة المحلية أكثر من اتجاهه نحو كيان وطني شامل. كانت القبيلة، أو العشيرة، أو السلطنة، هي الإطار الطبيعي الذي يوفر الأمن والانتماء والحقوق. ولم يكن ذلك عيباً في زمانه، لأنه كان يتناسب مع طبيعة الدولة قبل العصر الحديث.
لكن عندما ظهرت الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال، حدث تحول كبير في الشكل، ولم يحدث التحول نفسه في الوعي. تغيرت المؤسسات، بينما بقيت كثير من أنماط التفكير القديمة كما هي. فأصبحنا نعيش داخل دولة حديثة بعقل اجتماعي ما زال يحمل كثيراً من خصائص المجتمع التقليدي.
ومن هنا بدأ التناقض الكبير. فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة، بينما ظل العقل الجمعي يميل إلى العصبية. الدولة تقوم على سيادة القانون، بينما بقيت العلاقات الشخصية والولاءات الضيقة تؤثر في كثير من القرارات. الدولة تفترض أن الجميع متساوون أمامها، بينما ظل كثيرون ينظرون إليها باعتبارها امتداداً للجماعة التي تسيطر عليها.
ثم جاء الاستعمار، ورغم ما تركه من مؤسسات إدارية، فقد عمّق في بعض الأحيان الفصل بين المناطق والمجتمعات، ورسخ أنماطاً من الإدارة اعتمدت على التمييز بين الأقاليم وعلى إدارة التنوع أكثر من دمجه في مشروع وطني واحد. وبعد الاستقلال، ورثت النخب السياسية هذه الدولة، لكنها لم تنجح في بناء سردية وطنية جديدة تتجاوز آثار الماضي.
وكان يفترض أن تقوم المدرسة بهذا الدور، فتغرس معنى المواطنة وتبني وعياً وطنياً مشتركاً، لكنها كثيراً ما اكتفت بالتعليم، ولم تنجح دائماً في صناعة هوية وطنية جامعة. وكذلك الإعلام، الذي تحول في كثير من المراحل إلى ساحة للاستقطاب السياسي أكثر من كونه أداة لبناء الوعي العام.
أما الأحزاب السياسية، فقد كان ينتظر منها أن تنقل المجتمع من الولاءات التقليدية إلى التنافس البرامجي، لكنها في أحيان كثيرة أعادت إنتاج الانقسامات نفسها، مستثمرة في الهويات المحلية بدلاً من تجاوزها. وهكذا أصبح المجتمع ينتج سياسة تشبهه، والسياسة تعيد إنتاج المجتمع بالصورة نفسها، لتدور الأزمة في دائرة مغلقة.
ولهذا فإن الخطأ الأكبر الذي نقع فيه هو الاعتقاد بأن تغيير الحكومات وحده يكفي لتغيير الواقع. فالحكومات تتحرك داخل البيئة الفكرية نفسها، وتستند إلى الثقافة السياسية ذاتها. وإذا لم تتغير هذه الثقافة، فإن الأسماء ستتبدل، لكن النتائج ستظل متشابهة.
ولعل الحرب الأخيرة قدمت الدليل الأكثر وضوحاً على ذلك. فما إن ضعفت الدولة حتى عاد كثير من الناس إلى هوياتهم الأولية طلباً للحماية والانتماء. وهذا لا يعني أن تلك الهويات هي المشكلة، وإنما يعني أن الدولة لم تستطع أن تصبح الإطار الأول الذي يشعر الإنسان داخله بالأمن والعدالة والانتماء.
ومن هنا تتضح الحقيقة التي ينبغي أن ننطلق منها في هذا المشروع: العقل الجمعي ليس قدراً محتوماً، بل هو بناء تاريخي يمكن إعادة بنائه. فكما تشكل عبر قرون، يمكن أن يتطور عبر مشروع وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الهوية والمواطنة، وبين الاختلاف والوحدة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستسلم لفكرة أن السودانيين محكومون بتاريخهم إلى الأبد. فالتاريخ يفسر الواقع، لكنه لا يحكم المستقبل. وما دامت الأفكار قد صنعت الأزمة، فإن أفكاراً جديدة قادرة أيضاً على صناعة الحل.
لهذا، فإن مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني لا يبدأ بإعادة كتابة الدستور، ولا بإعادة توزيع السلطة، وإنما يبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني فكرياً، لأن الدولة ليست سوى انعكاس للعقول التي تديرها، وللقيم التي يؤمن بها المجتمع.
إن معركة السودان الحقيقية ليست معركة على السلطة وحدها، بل معركة على الوعي. ومن ينتصر في معركة الوعي، هو الذي سيكتب مستقبل الدولة.
- في الحلقة القادمة…
صناعة “الآخر”… كيف تتحول الهوية إلى سلاح؟
سنناقش كيف يتحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى أداة للإقصاء والصراع، وكيف تُصنع الصور النمطية، ولماذا يصبح “الآخر” في أوقات الأزمات هدفاً لتحميله مسؤولية كل الإخفاقات، وما السبيل إلى تفكيك هذا النمط من التفكير وبناء هوية وطنية تستوعب الجميع.
──────────────────
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.
