الجمعة, يونيو 26, 2026
الرئيسيةأخبار الساعة"أمدرمان.. الأمس حلم سيعود".. كتاب يستدعي ذاكرة العاصمة الوطنية ويكتب سيرة مدينة...

“أمدرمان.. الأمس حلم سيعود”.. كتاب يستدعي ذاكرة العاصمة الوطنية ويكتب سيرة مدينة قاومت الحرب بالأمل

أمدرمان : حفية نورالدائم

حين تضيق الجغرافيا بالحروب ، تتسع الذاكرة لتصبح وطناً بديلاً. ومن هذا المعنى انطلق الصحافي محمود الشين ليكتب عن أمدرمان، المدينة التي ظلت لعقود طويلة مرآة للسودان ومختبراً لتنوعه الثقافي والاجتماعي، في كتابه الجديد “أمدرمان.. الأمس حلم سيعود”، الذي دُشّن بمركز أمدرمان الثقافي وسط حضور رسمي وثقافي وإعلامي واسع.
ولم يكن التدشين مجرد فعالية ثقافية، بل مناسبة لاستعادة تاريخ مدينة ارتبطت بالوطنية السودانية، واستحضار دورها في تشكيل الوجدان الجمعي وإعادة طرح أسئلة التعافي وإحياء المجتمع في مرحلة ما بعد الحرب.
وشارك في التدشين والي جنوب دارفور بشير مرسال، ووزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين ممثلاً لوالي الخرطوم، والباحث والناقد الدكتور محمد جلال هاشم، والناقد السر السيد، والفريق إبراهيم الماظ مستشار حركة العدل والمساواة، إلى جانب عدد من المثقفين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي.

*مدينة صنعت وجدان السودان

يقدم الكتاب أمدرمان بوصفها مدينة للثقافة والإبداع والتنوع الاجتماعي، ويستعيد ملامحها الراسخة في وجدان السودانيين، كما يتناول تاريخها باعتبارها العاصمة الوطنية التي احتضنت مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية وصهرتها في بوتقة واحدة، لتصبح رمزاً للوحدة الوطنية والتعايش السوداني.
واختار المؤلف عنوان “الأمس حلم سيعود” ليعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان، ويؤكد أن استعادة المدن لا تكون بإعادة إعمار المباني فقط، بل أيضاً بحفظ إرثها الثقافي والاجتماعي وصون سيرتها للأجيال القادمة.

*استعادة روح المكان

وأكد الباحث والناقد الدكتور محمد جلال هاشم أن محمود الشين اختار مساراً مهماً في الكتابة يقوم على إحياء الأمل واستعادة روح الأمكنة السودانية، مشيراً إلى أن الكاتب سبق أن تناول في أعماله مناطق سودانية متعددة مثل جبال النوبة ونيالا، قبل أن يتجه إلى توثيق أمدرمان.
وقال إن المدينة قدمت للسودان إرثاً جمالياً وثقافياً عظيماً تجسد في الشعر والغناء والفنون المختلفة، وأسهمت بصورة مباشرة في تشكيل الوجدان السوداني الحديث.
وأضاف أن الكتاب لا يقتصر على توثيق المكان، بل يعيد تقديمه بوصفه جزءاً من التاريخ الوطني الذي يحتاج إلى الحفظ والاستعادة في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

*التاريخ الاجتماعي للمدينة

من جانبه، وصف الناقد السر السيد الكتاب بأنه عمل يقترب من التاريخ الاجتماعي لأمدرمان أكثر من كونه توثيقاً تقليدياً للمدينة، مشيراً إلى أنه يحمل نفحات روائية وإنسانية تعكس عمق العلاقة بين المؤلف والمكان.
وأوضح أن الكتاب يستحضر تفاصيل الحياة اليومية وشخصيات المدينة وأصدقاء الكاتب الذين غيبهم الرحيل، ما يمنح النصوص بعداً إنسانياً يجعل القارئ جزءاً من الرحلة التي يخوضها المؤلف بين الماضي والحاضر.
وأشار إلى أن معظم موضوعات الكتاب جاءت في شكل مقالات صحفية قصيرة وسلسة، الأمر الذي يجعلها قريبة من القارئ وسهلة التداول.

*من قلب المعاناة

أما مؤلف الكتاب محمود الشين، فأوضح أن العمل جاء ثمرة تجربة إنسانية عميقة عاشها خلال سنوات الحرب والنزوح واللجوء، مؤكداً أن الحنين إلى الوطن ظل حاضراً رغم قسوة الظروف.
وقال إن أمدرمان ليست مجرد مدينة في الوجدان، بل نموذج سوداني فريد للتسامح والتعايش والتنوع الثقافي، وظلت على الدوام حاضنة للإبداع والفن والفكر.
وأضاف أن كثيراً من فصول الكتاب كُتبت خلال فترات النزوح والتنقل، الأمر الذي منح النصوص بعداً وجدانياً يتجاوز التوثيق التقليدي للمكان، مؤكداً أن العمل يمثل محاولة للحفاظ على هذا الإرث وتقديمه للأجيال الجديدة، وأن الأمل في استعادة أمدرمان ظل حاضراً طوال فترة إنجاز الكتاب.

*أمدرمان.. السودان المصغر

وأكد الفريق إبراهيم الماظ أن أمدرمان تمثل رمزاً وطنياً جامعاً لكل السودانيين، واصفاً إياها بأنها “السودان المصغر” الذي احتضن مختلف الثقافات والمكونات الاجتماعية.
وأشار إلى أن المدينة ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ البلاد، ومنها انطلقت مسيرة التحرر الوطني بقيادة الإمام المهدي والخليفة عبد الله التعايشي، الأمر الذي منحها مكانة استثنائية في التاريخ السوداني.

*الخرطوم بين التعافي وإحياء الثقافة

وفي واحدة من أبرز الرسائل التي حملها حفل التدشين، أكد وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين أن الولاية تمضي بخطى متسارعة نحو التعافي واستعادة الحياة الطبيعية، مشيراً إلى أن الحرب تسببت في فقدان معظم الموارد المالية للولاية.
وأوضح أن حكومة الولاية أولت اهتماماً خاصاً بالمبدعين الذين تضرروا من الحرب وانقطعت مصادر رزقهم، لافتاً إلى أن الفترة الماضية أتاحت فرصاً أكبر للتواصل مع الصحفيين والفنانين والمثقفين.
وخاطب الوزير مؤلف الكتاب قائلاً: “أنت قلت إن أمدرمان حلم سيعود، وأنا أقول إن أمدرمان قد عادت بالفعل”، في إشارة إلى ما تشهده المدينة من جهود لإعادة الإعمار واستعادة النشاط الثقافي والمجتمعي.
واستحضر سعد الدين حجم الدمار الذي لحق بالمدينة خلال الحرب وما شهدته بعض شوارعها من مشاهد مؤلمة، مؤكداً أن مرحلة التعافي الحالية تعكس قدرة المجتمع السوداني على تجاوز المحن واستعادة الحياة.
كما كشف عن ترتيبات لإنتاج مسلسل درامي يوثق لتجربة الحرب والتعافي، إلى جانب خطط لإعادة تأهيل عدد من المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها مكتبة البشير الريح، مؤكداً أن الثقافة ستظل إحدى أدوات إعادة بناء المجتمع واستعادة الأمل.

*رسائل تتجاوز حدود الكتاب

من جانبه، قال والي جنوب دارفور بشير مرسال إن مشاركته في تدشين الكتاب تأتي تقديراً للمكانة الوطنية والتاريخية لأمدرمان، مشيراً إلى أنها ظلت رمزاً للعمل الوطني والتعايش السوداني.
وأضاف أن الكتاب يطوف بالقارئ بين أحياء المدينة وشوارعها ومنابرها الثقافية، حاملاً في الوقت نفسه رسائل تدعو إلى التكاتف الوطني ودعم جهود إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

*الذاكرة في مواجهة النسيان

ويأتي صدور “أمدرمان.. الأمس حلم سيعود” في لحظة يحتاج فيها السودان إلى إعادة كتابة قصته من منظور الإنسان والمكان، بعيداً عن لغة الحرب وحدها.
فالكتاب لا يقدم مجرد سرد لتاريخ مدينة، بل يطرح رؤية ثقافية وإنسانية تؤكد أن الحفاظ على الإرث الوطني جزء من معركة البقاء، وأن المدن التي صنعت التاريخ قادرة على النهوض من جديد مهما كانت التحديات.
وهكذا يتحول “الأمس” في كتاب محمود الشين من مجرد حنين إلى الماضي، إلى مشروع للأمل في المستقبل؛ فكما يقول العنوان، يبقى الحلم قابلاً للعودة ما دامت المدن تحتفظ بروحها وسيرتها الثقافية، وما دام أهلها قادرين على إعادة الحياة إلى شوارعها وفضاءاتها العامة من جديد. وبين صفحات الكتاب تتجدد صورة أمدرمان كما عرفها السودانيون؛ مدينة مفتوحة على التنوع، غنية بالإبداع، وقادرة دائماً على تحويل الأحلام إلى واقع، لتظل بحق عاصمة للوجدان السوداني وذاكرة وطن لا تنطفئ.
هذه الصيغة أكثر إحكاماً من النسخة الأولى، وتحافظ على الطابع الثقافي والتقريري في آن واحد، كما أن الخاتمة أصبحت أكثر ارتباطاً بعنوان الكتاب ورسائله الأساسية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات