الخميس, أغسطس 13, 2026
الرئيسيةمقالاتفي يومٍ من الأيام ...

في يومٍ من الأيام بقلم الأستاذ / الغالي الزين حمدون ..


في شهر مايو من العام خمسة و سبعين و تسعمائة و ألف كنت بسوق العجاجيك….
العجاجيك قرية تتبع لإدارية جريجخ بمحلية بارا و تقع على بعد ثلاثة كيلومتر شرق قريتنا أم قويز التي تقع على بعد عشرين كيلومترا شمال مدينة بارا على طريق الصدرات…….
السوق كان حديثاً يفد إليه كل يوم (ثلاثاء) أهالي القرى المجاورة راجلين و على الدواب و الجمال…. منهم من يحمل بضاعة ، و منهم من يسوِّق بهيمة ، و منهم من له مآرب أخرى وهي مآرب لا تعد و لا تحصى!!……
هذا السوق من الأسواق المؤقتة ، و ليوم واحد في الأسبوع . لذلك اعتمد التجار بناء متاجرهم مؤقتة في شكل عرايش من العيدان المسقوفة بقش (المرخ) الذي لا يحجب من شمس و لا يحمي من أتربة…فتغزوها أشعة الشمس بجوانبها من ذات الشرق في مطلعها ، و ذات الغرب عند زوالها و يخترقها ( خَلَال ) الشمس العمودية في منتصف النهار……
أما بقية(الفرِّيشة) يفترشون ظلال أشجار (السيال) الوارف (فينكمشون) مع ظل الضحى حتى يبلغوا جذوعها منتصف النهار ثم (يتمددون) مع ظل الظهيرة حتى قبل المغيب حيث يغادرون السوق إلى قراهم ومنهم رابحٌ و خاسر…….
الجزارون يمارسون جزارتهم من الناحية الشرقية للسوق تحت العرايش و الأشجار و بجانبهم بائعو الخضار و الرغيف الذي كان لا يأتي الا من بارا و لا توجد أفران بالقرى…..
أصحاب المقاهي و المطاعم و (الأنادي) جمع أنداية وهي مكان بيع الخمور البلدية ( المريسة و العرقي ) أيضاً متجاورون………
الأنادي فيه كانت تطغى على المقاهي و المطاعم . لأن القليل من الناس يرتادون المقاهي و المطاعم في ذلك الوقت و هم بعض التجار و الأفندية و الفُقَرا أما الغالبية فيرتادون الأنداية و لا حياء في ذلك…….
المقهى و المطعم الوحيد كان يسمى قهوة ( تليتيح ) و هو لقب عمنا آدم ود بادي الرجل الطيب المرحاب الباسم الأريحي . و كان صاحب طرفة يرتاح إليه كل الناس يمزح مع كبيرهم و صغيرهم…… كان عمنا ادم تليتيح بجانب الشاي و صاج اللحمة و هو الطعام الوحيد عنده يوفر صاج آخر مع الفحم لمن يطهون وجبتهم بأيديهم مقابل عشرة قروش أيجار الصاج و الفحم…..
كان سعر العتوت ( ٢٥ ) قرشاً أي ربع جنيه . وكنا نشترك أنا و حاج عثمان و أبو سعين احمد عثمان رحمه الله و الزين فضيل و فاروق الضو كل يوم ثلاثاء (عتوت) لفطورنا مقابل خمسة عشرة قرشاً للنفر متضمنة سهم العتوت و إيجار الصاج و الفحم و كباية الشاي . و كان ثمن كباية الشاي قرشين……في ذلك الزمان كنت طالباً بالصف الثالث المتوسط و جلست توَّاً لامتحان الشهادة المتوسطة منقولاً للمرحلة الثانوية ، و في انتظار إذاعة النتائج عبر الراديو و كنت أستدين صفيحاً من البصل وأبيعه بالكوم لتوفير مصاريفي الشخصية…..
في أحد أيام السوق و أنا أجلس أمام (كيمان) البصل ، لم أكن أعلم بزمن إعلان النتيجة لكني رأيت الأخ سيد شهداء بارا الذين غدرت بهم مليشيا الدعم السريع ابو القيس إسماعيل (ود الناظر) أو (الدوري) كما يحلو للناس تسميته ، و كان يبيع الخضار و الرغيف مع والده…. رأيته يهرول وسط السوق في حالة فرحة هستيرية و هو يحمل كمية من البلح ( يشتته ) على الناس دون توقف و يصيح بأعلى صوت ، نجحت الحمد لله ، نجحت الحمد لله…. وكنا معه دفعة مرحلة لكنا لم نتزامل في مدرسة…. لفت نظري لإعلان النتيجة لكن لم يكن بالقرب مني راديو وفكرت بدوري الذهاب لابو سعين….
قبل أن أبرح مكاني إلى مكان الراديو إذا بشقيقتي الكبرى ( رخية ) تقبل نحوي ركضاً و تطلق الزغاريد وسط السوق و تقول : أبشروا اخوي نجح .. ابشروا ود أمي نجح…. و هي أيضاً تشتت التمر في كل اتجاه فضمتني إليها بكل لهفة و هي تزغرد و تبكي من الفرح حتى إبتل كتفي من دموعها . أما أنا من شدة الدهشة و المباغته تسمرت و تجمدت كل أحاسيسي ، و لم أستطع التعبير بكلمة . فاجمتع الناس حولي يباركونني النجاح . لكن حتى لحظتها لم يكن أحد يعرف بأي مدرسة تم قبولي و توزيعي ، إلى أن جاء ابوسعين و هو ترزي لا يفارقه الراديو لأنه كان مغرم بالأغاني . و كان يدندن أثناء عمله كحال الترزية بصوته الرقيق الرخيم . و كان يقلد كل الفنانين . كما كان مولعاً بالكرة . فقطع الشك باليقين بأن تم قبولي بمدرسة خور طقت الثانوية العليا فعاد لي إحساسي و سبقتني دموع الفرحة التي كانت قد حبستها الدهشة و التفكير . فأصابتني (هستريا) أبو القيس ، لكني شقيت طريقي إلى القرية و تركت خلفي صفيح البصل و اوصيت عليه حاج عثمان ليحضره معه….
هرولت خفيفاً نحو الحِلَّة اسابق الريح حتى دخلت على والدتي ورميت نفسي بين أحضانها أبشرها بالنجاح… فأطلقت الزغاريد فانطلق أهل الحِلَّة نحو بيتنا مباركين النجاح و حضرت لهم والدتي (رحمها الله) مشروب الكركدي لضيافة الحضور و أرسلت أخي الأصغر آدم عليه الرحمة للزريبة لإحضار التيس ( الأربش ) و كانت (ناداهو) أي ناذراه كرامة لنجاحي…. و الأربش معناه في لهجتنا التيس أو الخروف و العنز أو النعجة التي على أذنيها نقاط مختلفة . مثلاً لون أبيض بأحمر ، أو أبيض بأسود . و هي فصحى تعني اختلاط الألوان سواء كانت في الإنسان أو الحيوان…..و في الحال تم ذبح الكرامة مدعومة ب(ملوتين) من التمر و(ملوتين) من الفول . وتم توزيعها على الحضور كباراً و صغاراً من أهل القرية على شكل ( كيمان ) في صينية ، و هذه الطريقة التي تقسم بها الكرامة في الريف حتى لا يظلم عندهم أحد !!!… ثم خرجت عليهم والدتي و كأن الفرحة خرجت من قلبها لتضيء وجهها ببسمتها العريضة و تطلب من الحضور الفاتحة و الدعاء لي بالتوفيق و هي تقول : شيلوا الفاتحة لولدي إن شاء الله ربنا يعليِّ و ما يدليِّ ، و يخليهو شَايَة و رَايَة ببركة الله و جاه النبي و الصالحين و إن شاء الله يبقى مدرس قدر الدنيا……
و قد كنت مدرساً كما تمنت لكني لم أكن قدر الدنيا…….
و لم يتبقى من سوق العجاجيك في الآونة الأخيرة إلا ثلاث أو أربعة رواكيب يرتادها ما لا يزيد عن العشرين شخصاً للتسوق من الخضار و الرغيف و اللحمة…..
سبحان الله في يوم ٢٠١٠/٢/١١م أجرت معي صحيفة التعليم التي كانت تصدر في وزارة التربية و التعليم الاتحادية في صفحتها ( كان معلماً ) و كنت كاتب عمود فيها . فسألوني : شخص كان له الأثر في حياتك و تذكرت دعاء والدتي ذلك فكتبت :
حملتني بصبر وتجرعت علقما… وارضعتني كأس الحياة بلسما…
فلما كبرت و قوي عودي… وازدهر العقل مني و نما… باتت تدعو في كل صلاة.. ليعلو قدري و اصير معلما…
تلك أمانيها و هي محقةٌ…لا ترى خصالاً أفضل من المعلم أفضالاً و قيما….
فكنت المعلم و نلت رضاها…وا رتقيت لكسب ودها سلَّما…
و من لي غيرها يلبي حاجتي…اذا مرضت يبيت مشفقاً متألما….
لا تغمض عينها و عيني مفتوحة….اذا غمضت تمنع الهمس والكلما…
تشير بيدها إن رامت حديثاً….حاشاها لا تشكو بكماً و لا صمما…
هي أمي اذا عددت افضالها… عددت ذر الرمل و أنجم السما…
فليجزها الله رحمةً بِعَدِّ الدَّر منها….و معفرةً بقطر الغيث إذا هما……..

و كثيرة هي الأيام و ما أجملها…..
ألا رحم الله والدتي حواء بنت آدم ود الضو…
فأنا ابن حواء بنت آدم و آدم بن حواء .
و إن أكن ابن هذي أو ذاك فكلاهما عندي سواء…….

الأستاذ / الغالي الزين حمدون…
٢٠٢٦/٨/١٣م….

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات