أبوسفيان محمد يوسف الكردفاني
عندما يُذكر اسم القضارف، تتبادر إلى الأذهان الولاية الزراعية الأكبر في السودان وسلة غذائه، عانت في المقابل من واحدة من أكثر الأزمات إلحاحاً وتعقيداً أزمة مياه الشرب.
حيث تحول مشروع الحل الجذري لمياه القضارف من مجرد مشروع خدمي لرمز لمعاناة يومية تتجدد مع كل صيف وكل اضطراب في الإمداد المائي.
وقد عاد الملف إلى واجهة الاهتمام عقب لقاء والي القضارف المكلف الفريق الركن محمد أحمد حسن، بالقائم بأعمال سفارة جمهورية الصين الشعبية بالسودان السيد جيان ،وخلال اللقاء طالب الوالي باستئناف نشاط الشركة الصينية المنفذة واستكمال ما تبقى من المشروع، فيما أبدى الجانب الصيني اهتماماً بالملف وتعهد بالتواصل مع الشركة لدفع العمل نحو مراحله النهائية.
ورغم ما حملته هذه التصريحات من مؤشرات إيجابية، فإنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل يتردد في الشارع القضارفي لسنوات: ما الذي أعاق المشروع حتى الآن؟ أن المشروع الذي انطلقت أعماله قبل أكثر من عقد ضمن مشروعات الاستفادة من مياه سدي أعالي عطبرة وستيت، واجه سلسلة من التحديات المتراكمة، فقد تأثر بمشكلات التمويل وتأخر سداد مستحقات الشركات المنفذة، كما انعكست عليه التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها السودان خلال السنوات الماضية. وبرزت تحديات فنية ولوجستية مرتبطة بطول الخط الناقل وطبيعة المناطق التي يمر بها، فضلاً عن الظروف الأمنية التي أثرت على سير التنفيذ في بعض المراحل.
ونجد أن نسبة كبيرة من الأعمال قد أُنجزت بالفعل، وأن ما تبقى من مراحل التنفيذ أصبح محدوداً مقارنة بحجم ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية، غير أن غياب جدول زمني واضح لإكمال الأعمال المتبقية ما يزال يثير تساؤلات المواطنين الذين تابعوا على مدى سنوات إعلانات متكررة عن قرب اكتمال المشروع، دون أن ينعكس ذلك بصورة كاملة على واقع الإمداد المائي.
وينظر المواطن إلى هذا الملف من زاوية تأثيره المباشر على حياته اليومية،فما تزال العديد من الأسر تتحمل أعباء إضافية في سبيل الحصول على المياه، فيما تتأثر الخدمات العامة والصحة والاستقرار المعيشي بأي خلل أو انقطاع في الإمداد.
لذا تتجاوز أهمية المشروع حدود توفير المياه للمنازل، لتصبح مرتبطة بمستقبل التنمية في الولاية بأكملها. فالمياه المستقرة والآمنة تمثل أساساً للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي، كما تشكل عاملاً مهماً في جذب الاستثمارات.
إن التحركات الأخيرة تمثل فرصة مهمة لإعادة الملف إلى مساره الصحيح، لكنها تحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز التصريحات، عبر تنسيق مؤسسي فعال بين الجهات الاتحادية وحكومة الولاية والشركة المنفذة والجهات الممولة، مع إعلان خارطة طريق واضحة تحدد ما تبقى من الأعمال، ومصادر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ والتشغيل.
كما أن الشفافية في إطلاع المواطنين على نسب الإنجاز والتحديات القائمة تمثل عنصراً أساسياً في استعادة الثقة بهذا المشروع الحيوي، خاصة أن أهل القضارف لم يعودوا يبحثون عن وعود جديدة بقدر ما يتطلعون إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
لقد أصبح مشروع الحل الجذري لمياه القضارف اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة وشركائها على تحويل الخطط الاستراتيجية إلى واقع معاش. وبين التفاؤل الذي حملته الرسائل الأخيرة والواقع الذي ما زال يعيشه المواطن، يبقى السؤال قائماً: هل اقتربت بالفعل نهاية سنوات الانتظار؟
إن الإجابة هذه المرة لا ينبغي أن تأتي عبر التصريحات أو التطمينات، بل عبر المياه وهي تتدفق بصورة مستقرة إلى منازل المواطنين،عندها فقط يمكن القول إن أحد أهم المشروعات الخدمية في تاريخ الولاية قد نجح أخيراً في تحقيق الغاية التي أُنشئ من أجلها.
