تحرير مدينة بارا والسيطرة على أم سيالة ، واستعادة جبرة الشيخ وأم قرفة وعدد من المناطق التي ظلت تشكل بؤراً لتهديد الأمن ، لا يُصنَّف كنصر عسكري يُضاف إلى سجل العمليات ، وإنما يمثل تحولاً استراتيجياً يحمل أبعاداً مزدوجة ، عسكرية واقتصادية ، ستنعكس آثاره على مجمل الأوضاع في كردفان وغرب السودان ، فعلى امتداد السنوات الأربع الماضية ، ظل طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض أحد أكثر المحاور تأثراً بالحرب ، ولم يكن الخطر يقتصر على قطع الطريق أو تعطيل حركة المركبات ، بل امتد إلى تهديد شريان اقتصادي تعتمد عليه حركة التجارة ونقل السلع والوقود والمنتجات الزراعية والثروة الحيوانية بين قلب البلاد وغربها ، وكلما اتسعت دائرة التهديد ، ارتفعت تكاليف النقل والحركة ، وتباطأ وصول الإمدادات ، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على الأسواق ومعاش المواطنين.
من هنا تأتي أهمية العمليات العسكرية الأخيرة التي نجحت بالأمس في إزالة عدد من الجيوب التي كانت تتمركز فيها المليشيا لتهديد هذا المحور الحيوي ، فاستعادة بارا وأم سيالة ، وجبرة الشيخ وأم قرفة ، وغيرها من المناطق ، لا تعني فقط استرداد رقعة جغرافية ، وإنما إعادة بناء مظلة أمنية حول طريق ظل يمثل شرياناً اقتصادياً لا غنى عنه ، وتبرز أم سيالة بوصفها إحدى أهم النقاط العسكرية في شمال كردفان ، بحكم موقعها المتحكم في تقاطعات الطرق وخطوط الإمداد بين النيل الأبيض وعمق كردفان ، ولهذا السبب تمسكت بها المليشيا طويلاً ، لأنها كانت توفر لها القدرة على تحريك التعزيزات ، وتأمين الإمداد ، وتهديد الطريق القومي متى ما أرادت ، أما مدينة بارا فهي ليست مجرد مدينة كبيرة في شمال كردفان ، وإنما تمثل عقدة المواصلات الحيوية التي تربط عدداً من المحاور المؤدية إلى الأبيض وغرب السودان ، والسيطرة عليها تعني تضييق مساحة الحركة أمام المليشيا ، وحرمانها من واحدة من أهم مناطق الارتكاز التي اعتمدت عليها خلال الفترة الماضية ، واكتملت هذه المنظومة باستعادة جبرة الشيخ وأم قرفة ، اللتين شكلتا مع غيرهما نقاطاً استغلتها المليشيا في المناورة وقطع الطرق واستهداف القوافل التجارية والعسكرية ، لذلك فإن تطهير هذه المناطق يمثل خطوة أساسية في تأمين الطريق بصورة متكاملة ، وليس بصورة جزئية.
اقتصادياً تبدو أهمية هذه التطورات أكثر وضوحاً ، فكل تحسن في الوضع الأمني على طريق الصادرات يعني انسياباً أكبر للبضائع ، وانخفاضاً في تكلفة النقل والتأمين ، وعودة النشاط التجاري تدريجياً بين الولايات ، وتزداد أهمية هذا الطريق لكونه يربط الخرطوم بالأبيض عبر أم درمان مباشرة ، وهو المسار الأقصر والأكثر كفاءة ، مقارنة بالطريق الذي يمر عبر كوستي بولاية النيل الأبيض وصولاً إلى الأبيض ، والذي يقطع مسافة أطول ويستهلك زمناً ووقوداً أكثر ، لذلك فإن استعادة الأمن على طريق الصادرات لا تعني فقط إعادة فتح طريق ، وإنما استعادة الممر الرئيس والأكثر جدوى لحركة التجارة بين العاصمة وغرب السودان ، بما ينعكس على خفض تكاليف نقل السلع ، وتحسين انسياب الإمدادات ، وتخفيف الأعباء عن المواطنين ، ودعم جهود التعافي الاقتصادي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى إعادة تشغيل كل شريان إنتاج وحركة ، غير أن هذه المكاسب العسكرية والاقتصادية ، على أهميتها ، لا تعني انتهاء التهديد بالكامل ، فالمليشيا تدرك القيمة العسكرية والاقتصادية لهذه المناطق ، وتعرف أن فقدانها يقلص قدرتها على المناورة ويغلق أمامها أحد أهم المحاور التي كانت تستخدمها في التحرك والإمداد ، لذلك يبقى احتمال إعادة حشد عناصرها ومحاولة شن هجمات مضادة على بعض هذه المناطق أو استهداف طريق الصادرات أمراً وارداً في سياق الصراع ، وهو ما يستوجب توسيع الدائرة الأمنية ، واستمرار اليقظة العسكرية ، وتعزيز الوجود الأمني، وإحكام السيطرة على هذه المحاور الاستراتيجية.
لقد أثبتت معارك كردفان أن الانتصارات الحقيقية لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي تُستعاد ، وإنما بقيمة المواقع التي تُؤمَّن ، وبقدرتها على إعادة الحياة إلى المواطنين والاقتصاد ، وإذا نجحت القوات المسلحة في تثبيت سيطرتها على بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة ، ومواصلة تطهير ما تبقى من الجيوب ، فإن طريق الصادرات لن يكون مجرد طريق مفتوح أمام حركة المركبات ، بل سيكون شاهداً على عودة الدولة إلى واحد من أهم محاورها الاستراتيجية ، وخطوة جديدة في استعادة الأمن والاستقرار والتنمية في السودان… لنا عودة.
