الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
من بين أكثر القضايا حضوراً في تاريخ السودان الحديث قضية العلاقة بين المركز والأطراف. فالكثير من الأزمات والحروب التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال لا يمكن فهمها بمعزل عن الشعور المتراكم لدى قطاعات واسعة من المواطنين في الأقاليم بأن نصيبهم من السلطة والثروة والتنمية لم يكن متناسباً مع مساهمتهم في بناء الدولة.
منذ قيام الدولة السودانية الحديثة، تركزت المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية الكبرى في العاصمة وما حولها، بينما ظلت مساحات واسعة من البلاد تعاني ضعف الخدمات الأساسية والبنية التحتية وفرص التنمية. وبمرور الزمن، نشأت فجوة واضحة بين المركز الذي تتركز فيه مؤسسات اتخاذ القرار، والأطراف التي شعرت بأنها بعيدة عن دوائر التأثير السياسي والاقتصادي.
ولم تكن المشكلة في التفاوت التنموي وحده، فمثل هذه الفوارق موجودة بدرجات متفاوتة في كثير من الدول، وإنما في تراكم الإحساس بأن هذا التفاوت أصبح جزءاً من بنية إدارة الدولة نفسها. فكلما تأخرت مشاريع التنمية، أو تراجعت الخدمات، أو ضعفت فرص المشاركة السياسية في بعض الأقاليم، تعززت القناعة لدى قطاعات من السكان بأنهم خارج دائرة الاهتمام الوطني.
ومع مرور الوقت، تحولت المطالب التنموية إلى مطالب سياسية. وأصبح الحديث عن الطرق والمستشفيات والمدارس مرتبطاً بالحديث عن المشاركة في السلطة وتوزيع الموارد. وهكذا انتقلت الأزمة من مستوى التنمية إلى مستوى الصراع حول طبيعة الدولة وعلاقتها بمواطنيها في مختلف الأقاليم.
وقد ساهمت الحروب والنزاعات المسلحة في تعقيد هذا الواقع أكثر. فبدلاً من معالجة أسباب الاحتقان بصورة جذرية، كانت بعض الأزمات تُدار بمنطق أمني أو عسكري، بينما ظلت القضايا التنموية والسياسية الأساسية قائمة دون حلول مستدامة. ولذلك كانت النزاعات تخمد أحياناً لتعود في أشكال جديدة بعد سنوات.
كما أن ضعف الإدارة المحلية وتراجع الحكم اللامركزي الفعّال أسهما في تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فكلما ابتعدت مراكز اتخاذ القرار عن المجتمعات المحلية، تقلصت قدرة المواطنين على التأثير في السياسات التي تمس حياتهم اليومية، وازداد الشعور بالتهميش والإقصاء.
وفي المقابل، من المهم الإشارة إلى أن اختزال الأزمة في صراع بين المركز والأطراف وحده لا يقدم صورة كاملة. فبعض الأقاليم التي رفعت شعارات التهميش شهدت هي الأخرى تفاوتات داخلية واختلالات في توزيع الموارد والفرص. وهذا يعني أن القضية ليست جغرافية فقط، بل تتعلق أيضاً بكيفية إدارة السلطة والثروة داخل الدولة وعلى مختلف المستويات.
لقد كشفت التجربة السودانية أن الاستقرار السياسي لا يمكن فصله عن العدالة التنموية. فالدولة التي تعجز عن إيصال الخدمات الأساسية وفرص التنمية إلى مواطنيها في مختلف المناطق تجد نفسها أمام بيئة خصبة للاحتقان وعدم الاستقرار. كما أن الشعور بالمواطنة المتساوية لا يتحقق عبر النصوص الدستورية وحدها، بل من خلال الإحساس العملي بأن الدولة حاضرة لخدمة جميع مواطنيها دون تمييز.
واليوم، وبعد عقود من النزاعات والأزمات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة التفكير في نموذج إدارة الدولة السودانية. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمن يحكم، بل أيضاً بكيفية توزيع السلطة والموارد، وكيفية ضمان مشاركة جميع الأقاليم في صناعة القرار الوطني، وكيفية تحقيق تنمية متوازنة تقلل الفوارق وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن إحدى الحقائق التي أكدها تاريخ السودان منذ الاستقلال هي أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة. فلا تنمية مستدامة في ظل النزاعات، ولا استقرار دائماً في ظل الإحساس بالحرمان والتهميش. ولذلك فإن معالجة أزمة المركز والأطراف ليست مطلباً إقليمياً أو جهوياً، بل شرط أساسي لبناء دولة مستقرة وقادرة على البقاء.
● وفي الجزء الخامس سنتناول البعد الاقتصادي للأزمة السودانية، وكيف تحولت الموارد الضخمة والإمكانات الكبيرة إلى مفارقة تاريخية جعلت السودان يعيش أزمات اقتصادية متكررة رغم ما يمتلكه من ثروات وإمكانات واعدة.
،،، تحياتي ،،،
