بفلم/ د. اسماعيل الحكيم
أبت عاصمة التآمر إلا أن ترفع الستار عن فصيل جديد من فصول الخديعة ، مهرجانٌ باهتٌ أُلبس ثوب “حب السودان” في وقتٍ تسيل فيه دماء السودانيين أنهاراً، وتئنّ فيه مدن وقرى بأكملها تحت وطأة التنكيل والتهجير، وهو في حقيقته ليس إلا محاولة بائسة لغسل أيدي صانعيه من دماء الأبرياء. غير أن الفاجعة الحقيقية لم تكن في مكر خططته “دويلة الشر” ولكنه في سقوط أدعياء الفن ونكراتٍ فنية سودانية ارتضت أن تكون ممسحةً لتلميع وجه القاتل.
لقد تداعى إلى هذا المحفل المشؤوم أربعة مغنين— طه سليمان، وإنصاف مدني، ومحمد بشير (بلوبلو)، والبربري*—فباعوا وطنيتهم بثمنٍ بخسٍ، دراهم معدودة، ليتراقصوا فوق أشلاء الضحايا، ويتغنّوا في حضرة من موّل وخطط لتمزيق النسيج السوداني. فكيف بالله يستقيم للوتر أن يصدح، وللحنجرة أن تغني، بينما صدى صرخات الحرائر وأنين المشردين يملأ الآفاق؟
إن ما حدث في هذا الحفل لم تكن سقطة فنية، إنما شراكة بالأصالة في كل الجرائم التي ارتكبتها المليشيا المتمردة. فالعالم أجمع يعلم علم اليقين أنه لولا الدعم اللوجستي، والتمويل المستمر، والغطاء الذي توفره الإمارات، لما استمرت هذه الحرب اليتيمة من الإنسانية حتى يومنا هذا. وإن من يضع يده في يد مَن أحرق الديار، هو شريكٌ في إشعال النيران.
تحاول تلك الدويلة بشتى السبل إيجاد موطئ قدم للتسامح الزائف، ممررةً السمّ في الدسم عبر بوابات الثقافة والفن، في محاولة يائسة للإيحاء بأنها تحمل الودّ لأهل السودان. لكنها تناست أن الشعب السوداني، الحامل لإرث الكرامة، عصيٌّ على التزييف. فأهل السودان لا حاجة لهم بمهرجانات منافقة، ولا بحفلات باذخة تُقام على رفات شهدائهم. وهم يعرفون تماماً مَن صوّب الرصاص إلى صدورهم، ومن هجّرهم من ديارهم، ويعلمون أن الجراح التي تركتها هذه المؤامرة غائرة لا تندمل البتة، ولا تمحوها أغنية هابطة أو دراهم ملوثة.
أمام هذا السقوط الأخلاقي والوطني المدوي، لم يعد الصمت مقبولاً، ولا الحياد خياراً. إن المسؤولية التاريخية تقع اليوم كاملةً على عاتق اتحاد المهن الموسيقية والدرامية (اتحاد الفنانين) لاتخاذ إجراءات حاسمة ورادعة تتسق مع حجم الجرم فالمحاسبة الفورية بإسقاط عضوية هؤلاء المغنين الأربعة فوراً، وحظرهم من ممارسة أي نشاط فني باسم السودان ثم المقاطعة الشاملة وعزلهم شعبياً وإعلامياً، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه المتاجرة بقضايا وطنه. فضلاً عن توثيق الموقف التاريخي وتسجيل هذا الموقف في دفاتر الحركة الفنية السودانية كبقعة سوداء عُزل أصحابها عن وجدان الشعب.
سيبقى الفن السوداني الأصيل، كما كان دوماً، خندقاً للدفاع عن الأرض والعرض، ولساناً ناطقاً باسم الغبش والكادحين وأبطال معركة الكرامة. أما أولئك الذين استبدلوا بالوطن حفنة من المال، فسيذهبون إلى مزبلة التاريخ، ولن تذكرهم الذاكرة السودانية إلا كأقنعة مستعارة في مهرجانٍ للزيف والخيانة.. وسيبقى السودان شامخاً، بكرامة أهله، وعزيمة شرفائه.
