الأربعاء, يوليو 15, 2026
الرئيسيةمقالاتمعادن الأخيار تضيء عتمة الملاذات: «مقبرة الجيزة».. امتدادٌ لـِ كرم سوداني لا...

معادن الأخيار تضيء عتمة الملاذات: «مقبرة الجيزة».. امتدادٌ لـِ كرم سوداني لا تغيبه المحن بقلم/ د. اسماعيل الحكيم

إنّ في غمرة الابتلاءات الكبرى التي تعصف بالأوطان، وتُثقل كاهل الإنسان، تتمايز الصفوف، وتنجلي الغبرة عن معادن أصيلة صقلتها قيم النبل والشهامة. فالأزمات ليست خطوب وحسب ، إنما هي المرايا الصادقة التي تنعكس عليها مكارم الأخلاق، وتتجلى فيها حقيقة النفوس. وما سطره مؤخراً ثلة من رجال الأعمال السودانيين في جمهورية مصر العربية، وتحديداً في محافظة الجيزة، لم يكن مجرد مبادرة خيرية عادية، لكنه تجسيدٌ حيّ لإرثٍ ممتد من المروءة والنجدة واغاثة الملهوف، التي جُبل عليها أهل السودان منذ فجر التاريخ.
حينما ضاقت ببعض المغتربين والمهجرين السبل بمصر ، وتعقدت أمامهم تفاصيل مواراة الثرى لراحليهم في أرض الغربة، هبّ هؤلاء الأخيار ليؤكدوا أن كرامة السوداني لا تسقط غريبة، وأن الموت الذي يفرّق الأجساد، يجمع قلوب الأوفياء على صعيد واحد من التكافل. فقد قاموا بشراء أرضٍ مخصصة لتكون مقبرة جامعة للسودانيين، مجهزة بالكامل، مع توفير عربة لنقل الجثامين، وكل ذلك بلا مقابل مادي ، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، ويحفظون لإخوانهم سترهم الأخير.
إن هذا الصنيع يتجاوز في دلالاته حدود العمل الخيري التقليدي؛ إنه ملمحٌ صوفيّ عميق يعكس فلسفة التلاحم السوداني، حيث تصبح كرامة الميت فرض كفاية يتحمله الموسر عن المعسر، ليبقى الموت في الغربة أقل وحشة، وأكثر دثاراً بالرحمة والمواساة.
ليست العظمة في أن تجود بفائض مالك في رخائك، بل العظمة أن تشيّد جسور الستر لإخوانك في أشد الأوقات عتمة وضيقاً.
هذا الموقف النبيل ليس بدعاً من القول أو السلوك، بل هو امتداد طبيعي وشرعي لقيم النفير والفزع المتجذرة في الوجدان السوداني. فالإنسان السوداني، أينما حطت به رحال الحياة، يحمل وطنه في حنايا ضلوعه، ويحمل معه قيم الكرم المتأصلة التي لا تغيرها الجغرافيا ولا تبدلها الظروف.
إن شراء هذه الأرض وتخصيصها لوجه الله تعالى، هو رسالة بليغة مفادها: أن المحن التي تلم بالأوطان قد تهز الاستقرار، لكنها عاجزة عن هدم القيم. لقد أثبت رجال الأعمال هؤلاء أن المال في أيدي الشرفاء هو سلاح لبناء الطمأنينة، وسند لكسر شوكة الغربة، وملاذٌ حين تضيق الخيارات.
سيكتب التاريخ أن السودانيين في محنتهم لم يلتفتوا للوراء، ولم يستسلموا لواقع اللجوء أو الاغتراب، بل صنعوا من تكافلهم شبكة أمان اجتماعي وإنساني تُبهر الناظرين. إن “مقبرة الجيزة” اليوم، ليست مجرد أمتار من الأرض، إنما هي معلمٌ شيدته المروءة، وعنوانٌ بارز من عناوين الشهامة السودانية التي سيتناقلها الأجيال بفخر واعتزاز.
تحية إجلال وإكبار لأولئك الذين اشتروا بمالهم طمأنينة أهلهم، وجعلوا من فجيعة الموت مساحة لسمو الأخلاق، وأثبتوا للعالم أجمع أن السودان، وإن أثقلته الجراح، يظل ولاداً بالأخيار، عصياً على الانكسار، شامخاً بأهله وقيمه إلى أبد الآبدين. شكرآ جزيلاً نبيلاً الاخ الصديق الصدوق صابر الخندقاوي وإخوانك من خلفك ..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات