الجمعة, مايو 29, 2026
الرئيسيةمقالاتالكهرباء بين تضحيات المهندسين… وفشل الإدارة. بقلم: عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

الكهرباء بين تضحيات المهندسين… وفشل الإدارة. بقلم: عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

بقلم: عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

لا يستطيع أي منصف أن ينكر الجهد الكبير والتضحيات العظيمة التي بذلها مهندسو وفنيو هيئة الكهرباء عقب الحرب، وهم يعملون وسط الدمار والمخاطر وشح الإمكانيات من أجل إعادة التيار للمنازل والمستشفيات ومحطات المياه والمرافق الحيوية. لقد قدم هؤلاء الرجال نموذجًا مشرفًا في الوطنية والصبر والعمل الميداني، واستحقوا الاحترام والتقدير من كل الشعب السوداني.
لكن في المقابل، فإن هذا الإنجاز الفني الكبير ظل يُواجه بحالة مؤسفة من الضعف الإداري والترهل الواضح داخل بعض إدارات الهيئة، حتى أصبح المواطن يشعر أن هناك فجوة ضخمة بين من يعملون في الميدان لإنقاذ الكهرباء، وبين من يجلسون خلف المكاتب دون إحساس بحجم الأزمة.
فالبلاغات المتراكمة في الأحياء، وتأخر المعالجات، وانعدام العدادات، وضعف المتابعة، وسوء التنظيم الإداري، كلها أصبحت مظاهر يومية لا تخطئها العين.
كيف تُطالب المواطن بالالتزام والدفع بينما لا توفر له عدادًا أصلًا؟ كيف تحارب “الجباد” وأنت عاجز عن إيصال العدادات للمواطنين؟ كيف تستقر خدمة الكهرباء دون صيانة دورية حقيقية أو توفير كافٍ لقطع الغيار والمحولات؟
إن الأزمة اليوم لم تعد أزمة فنيين أو مهندسين، بل أزمة إدارة ومحاسبة وغياب رقابة ومتابعة.
للأسف، هناك حالة واضحة من اللامبالاة لدى بعض الموظفين والإداريين، وكأن ما تمر به البلاد لا يعنيهم، وكأن المواطن الذي يطارد البلاغات بالأيام والأسابيع لا يستحق خدمة محترمة.
إن الموظف الذي يؤخر معاملات المواطنين، أو يهمل البلاغات، أو يتعامل بتعالي وبرود مع الناس، لا يقل خطرًا عن الذي يسرق الكهرباء، لأن الاثنين يساهمان في تدمير هذا المرفق الحيوي.
لا يمكن أن تستقر الكهرباء بالشعارات والوعود الإعلامية فقط، بل بالإدارة الصارمة والعمل المؤسسي والانضباط والمتابعة اليومية. فالكهرباء قطاع حساس لا يحتمل الفوضى ولا البطء ولا المزاجية الإدارية.
ومن المؤسف أن يشعر المواطن أحيانًا أن بعض الإدارات ما زالت تعمل بعقلية ما قبل الكارثة، بينما البلاد خرجت لتوها من حرب دمّرت البنية التحتية وأرهقت الناس والخدمات.
إن المرحلة الحالية تتطلب:
إدارة ميدانية حقيقية لا إدارة مكاتب.
سرعة في معالجة البلاغات.
توفير العدادات بشكل عاجل.
حملات صيانة دورية للشبكات والمحولات.
محاسبة المقصرين إداريًا.
تحسين التعامل مع المواطنين.
وضع خطة واضحة لاستعادة الاستقرار الكهربائي.
كما أن محاربة التوصيلات غير القانونية لا يمكن أن تتم فقط بالعقوبات، بل بإزالة أسباب الفوضى نفسها، وعلى رأسها التقصير الإداري وتعقيد الإجراءات وضعف الخدمة.
إن الشعب السوداني تحمل الحرب والجوع والظروف القاسية، لكنه لن يقبل أن تُهدر تضحيات المهندسين والفنيين بسبب إدارات عاجزة أو موظفين لا يدركون حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم.
الكهرباء ليست مجرد مؤسسة خدمية، بل شريان حياة لدولة تريد أن تنهض من تحت الركام. وأي تهاون أو فساد أو إهمال داخل هذا القطاع هو طعنة مباشرة في مشروع استقرار السودان وإعادة بنائه.
إن الوقت قد حان لإصلاح إداري حقيقي داخل هيئة الكهرباء، إصلاح يعيد الانضباط والهيبة والكفاءة، ويجعل المواطن يشعر أن هناك دولة تحترم حقه وتسعى لخدمته بصدق ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات