الأربعاء, يوليو 15, 2026
الرئيسيةمقالاتليلة سقوط الأقنعة: من يكتب "سيناريو الجحيم" في السودان؟ ...

ليلة سقوط الأقنعة: من يكتب “سيناريو الجحيم” في السودان؟ بقلم: حمد يوسف حمد


بينما ينام العالم على وسائد التغافل، يستيقظ السودانيون كل صباح على دوي المدافع وصافرات الإنذار. لكن، هل سألت نفسك يوماً: من يمسك حقاً بعصا المايسترو في هذه الأوركسترا الدموية؟ هل هي مجرد “حرب كرامة” محلية لتطهير الأرض من التمرد، أم أننا نعيش فصلاً مرعباً في كتاب صهيوني قديم، أُعيد تجليده وتحديث نصوصه ليناسب واقعنا المعاصر؟
الحقيقة التي يخشى الكثيرون قولها بملء الفم هي أن النيران التي تحرق الخرطوم اليوم، لا تُشعل بـ “كبريت” محلي فقط؛ بل ثمة غرف مظلمة مكيفة في تل أبيب، تُدار فيها أدق تفاصيل “لعبة العروش” السودانية.
“عقيدة بن غوريون” بثوبها الجديد
منذ خمسينيات القرن الماضي، وإسرائيل تعاني من “فوبيا” السودان. هذا المارد الإفريقي الشاسع، الغني بثرواته، والمشحون بوجدان شعبي يرفض المساومة على الحق الفلسطيني، كان دائماً يمثل الكابوس الأكبر للأمن الإستراتيجي الصهيوني.
الاستراتيجية الإسرائيلية لم تتغير منذ عهد ديفيد بن غوريون، لكنها اليوم ترتدي ثوباً معاصراً غاية في الدهاء والخبث؛ فإما سودانٌ طيِّعٌ يجلس في مقاعد المتفرجين، أو سودانٌ ممزقٌ لا يقوى على النهوض.
التاريخ يعيد إنتاج الجريمة
من يقرأ دفاتر الأرشيف الصهيوني بعين فاحصة، يدرك أن ما يحدث في الخرطوم اليوم ليس سوى “نسخة معدلة” من سيناريو قديم كُتبت فصوله في خمسينيات القرن الماضي. حينها، وضعت إسرائيل “نظرية شد الأطراف” حيز التنفيذ، وكان السودان حقل تجاربها الأكبر.
عبر وثائق موثقة كشفها قادة “الموساد” أنفسهم لاحقاً (أمثال ديفيد كمحي)، قامت إسرائيل بشحن أطنان من الأسلحة والمعدات، وتدريب مقاتلي حركة “الأنيانيا” في جنوب السودان عبر قنوات خلفية. لم يكن الهدف الصهيوني حينها نصرة فصيل، بل كان الهدف الصريح والوحيد: إنهاك الجيش السوداني، وإشغاله بمعارك استنزاف داخلية لا تنتهي، لضمان ألا تلتفت الخرطوم بجيشها القوي إلى جبهة الصراع العربي الإسرائيلي.
واليوم، يتكرر السيناريو بذات التفاصيل الشيطانية؛ فالجهات الوسيطة التي تنقل السلاح والمرتزقة لتغذية المؤامرة الحالية على الجيش السوداني في “حرب الكرامة”، هي ذاتها الواجهات التي تنسق مع تل أبيب خلف الستار. إنها ذات اليد الصهيونية التي تسعى لتفتيت ما تبقى من السودان، مستخدمةً ذات التكتيك القديم: شراء الولاءات، صناعة قوى موازية للدولة، وضرب النسيج الوطني من الداخل.
الأوراق السرية على طاولة الموساد
دعونا نضع النقاط فوق الحروف بلا مواربة أو تجميل. ماذا تريد تل أبيب من هذه الدماء النازفة في شوارعنا؟ إنها تلعب على ثلاثة محاور متقاطعة في آن واحد:
قرصنة البحر الأحمر: تسعى إسرائيل للسيطرة غير المباشرة على الموانئ السودانية؛ لتتحول شواطئنا من خط دفاع عربي إسلامي أصيل، إلى “عين ساهرة” تحمي المصالح الإسرائيلية وتخنق أي إمداد للمقاومة في المنطقة.
استعمار “الذهب الأخضر” والثروات: يهدف المشروع إلى تحويل أراضينا الشاسعة إلى حقل تجارب لشركاتهم الزراعية والأمنية، ونهب الثروات المعدنية والذهب عبر واجهات ووسطاء إقليميين يأتمرون بأمرهم.
سراب “التطبيع الإجباري”: ابتزاز الدولة السودانية المنهكة بمعادلة صفرية خبيثة تتلخص في: “امنحونا السلام والتطبيع الكامل، أو سنبارك استمرار سيناريو التفتيت والدمار الشامل لبلادكم”.
الحقيقة المرة: بائعو الأوهام
إن الذين هرولوا في السنوات الماضية خلف سراب “الوعود الإسرائيلية” بالرخاء الاقتصادي، يشبهون من يستجير من الرمضاء بالنار. أين هي تلك المليارات التي وُعدنا بها؟ أين هو الدعم اللوجستي والاقتصادي؟
لم يحصد السودان من تلك “الصافرات الإسرائيلية” سوى انقسام النسيج الاجتماعي، وفتح الباب على مصراعيه للاختراق الاستخباري. لقد تم استخدام ملف السودان كـ “كرت محروق” في بورصة المصالح الحزبية الضيقة داخل الكيان الصهيوني.
المخرج الوحيد من المصيدة
إن المعركة التي يخوضها جيشنا وشعبنا اليوم في “حرب الكرامة” ليست مجرد معركة عسكرية لتطهير وكر تمرد؛ إنها معركة استرداد القرار الوطني المسلوب.
لا حوار مع من يريدنا جثثاً هامدة ليعبر فوقنا إلى أعماق إفريقيا. ولا مصافحة ليدٍ تقطر دماً من غزة إلى الخرطوم. إن “الترياق الوحيد” لسموم هذا المشروع الإسرائيلي ليس في البحث عن عرابين في الخارج، بل في تماسك جبهتنا الداخلية، والالتفاف حول مؤسساتنا الوطنية، وصياغة مشروع وطني سوداني خالص، يكتبه السودانيون بحبر عرقهم ودماء شهدائهم، لا بإملاءات الغرباء.

اخر الكلام:

الأقنعة سقطت بالكامل، واللعبة باتت على المكشوف؛ فإما وطنٌ حرٌّ موحدٌ كامل السيادة، وإما دويلات ممزقة يتقاسم أشلاءها لصوص الإقليم والدول!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات