بقلم الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
لم تعد بعض الخطابات المتداولة في الساحة السودانية مجرد اختلافات سياسية أو تباينات فكرية حول شكل الدولة ومستقبلها، بل تحولت ــ بصورة مقلقة ــ إلى منصات لإنتاج الكراهية وإعادة تعريف الوطن على أسس عرقية وجهوية ضيقة.
فحين تعجز بعض النخب عن تقديم مشروع وطني جامع، تلجأ إلى أخطر الأسلحة وأكثرها تدميرًا: صناعة العدو الداخلي.
وهنا يبدأ الانتقال التدريجي من خطاب التمييز والكراهية إلى دعوات الانفصال والتقسيم، باعتبارها “حلًا” للأزمة السودانية، بينما هي في حقيقتها تعبير عن فشل أخلاقي وسياسي عميق.
لقد ظهرت خلال الفترة الماضية أصوات دفعت باتجاه مشروع يُعرف بـ“دولة النهر والبحر”، وهو طرح يقوم على فصل دارفور نفسيًا وجغرافيًا وسياسيًا عن بقية السودان، في رؤية تحمل جوهرًا عنصريًا واضحًا مهما حاول أصحابها تغليفها بالشعارات السياسية أو الثقافية.
ومن بين أبرز من تبنوا هذا الخطاب عبدالرحمن عمسيب وحياة عبدالملك، عبر طرح يقوم على الفرز بين مكونات الوطن، وتصوير بعض الأقاليم وكأنها عبء تاريخي أو تهديد لهوية الدولة.
وهذا النهج لا يمكن وصفه إلا بأنه انزلاق خطير نحو العنصرية السياسية، لأنه يؤسس لفكرة الوطن الانتقائي الذي يُبنى على الإقصاء لا على المواطنة.
الخطورة في هذه المشاريع لا تكمن فقط في الدعوة إلى الانفصال، بل في البيئة الفكرية التي تُنتجها؛ بيئة قائمة على الاحتقار الضمني لبعض المكونات السودانية، والطعن في انتمائها الوطني، وإعادة إنتاج صورة “المواطن الأقل استحقاقًا”.
وهنا تتحول السياسة من تنافس حول البرامج والرؤى إلى معركة هوية مفتوحة، تُستخدم فيها الجغرافيا والقبيلة واللون كأدوات للتحريض والاستقطاب.
لقد تعاملت هذه الخطابات مع دارفور ليس باعتبارها جزءًا أصيلًا من السودان، بل باعتبارها “الآخر” المختلف الذي ينبغي عزله أو التخلص من تأثيره السياسي والاجتماعي.
وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه النخب حين تفشل في فهم طبيعة الدولة السودانية القائمة تاريخيًا على التعدد والتنوع والتداخل الإنساني.
فالسودان لم يكن يومًا دولة أحادية الهوية، ولم يُبنَ على نقاء عرقي أو ثقافي، بل تشكل عبر قرون من التفاعل بين مكوناته المختلفة.
ولهذا فإن أي مشروع يقوم على فكرة الفرز العرقي أو الجغرافي هو مشروع يصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا معًا.
المؤسف أن بعض هذه الخطابات تحاول تقديم نفسها باعتبارها دفاعًا عن “الهوية” أو “المركز” أو “الدولة”، بينما هي في الحقيقة تعبير عن خوف النخب المأزومة من فكرة السودان المتعدد.
فالعنصرية غالبًا ما تكون الوجه الآخر للعجز السياسي، لأنها تلجأ إلى الكراهية حين تفشل في بناء مشروع مقنع للناس.
والتجارب الإنسانية كلها تؤكد أن المشاريع القائمة على الكراهية قد تنجح مؤقتًا في صناعة الضجيج، لكنها تفشل دائمًا في صناعة الاستقرار.
لأن الدول لا تُدار بالأحقاد، ولا تُبنى بإقصاء أجزاء من شعوبها، بل بالعدالة والمساواة والاعتراف المتبادل.
ورغم حالة الاحتقان التي صنعتها الحرب، ظل المجتمع السوداني ــ في عمقه الحقيقي ــ أكثر وعيًا من بعض نُخبه.
فالناس الذين جمعتهم المعاناة اليومية، ومراكز النزوح، والأسواق، وأزمات الحياة، يدركون أن الوطن حين ينهار لا يسأل ضحاياه عن قبائلهم أو جهاتهم.
ولهذا بقيت المشاريع العنصرية محدودة الحضور الشعبي، لأنها تتناقض مع طبيعة المجتمع السوداني الذي ظل، رغم كل الأزمات، أكثر ميلًا للتعايش من دعاة الكراهية والانقسام.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس التنوع، بل الخطاب الذي يحاول تحويل هذا التنوع إلى مبرر للصراع والتفكيك.
ولهذا فإن مواجهة العنصرية لم تعد قضية أخلاقية فقط، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من تماسك الدولة والمجتمع.
السودان يحتاج الآن إلى مشروع وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، ودولة القانون، والعدالة الاجتماعية، لا إلى مشاريع تُعيد تقسيم الناس نفسيًا وجغرافيًا تحت لافتات الهوية والتفوق العرقي.
وفي النهاية فإن كل مشروع يبدأ بالكراهية ينتهي بالسقوط، لأن الشعوب قد تنفعل لبعض الوقت بخطابات الغضب، لكنها لا تستطيع العيش طويلًا داخل أوطان تُبنى على الاحتقار المتبادل.
أما السودان، فرغم جراحه الثقيلة، فإنه سيظل أكبر من مشاريع الانفصال، وأوسع من أوهام النقاء العرقي، لأن الوطن الحقيقي لا تصنعه السلالات ولا الخرائط الضيقة، بل تصنعه العدالة والشراكة والقدرة على العيش معًا.
،،، سروري مع خالص تحياتي،،،
