مجتبى ميرغني
في الوقت الذي يواجه فيه المواطن السوداني أوضاعاً اقتصادية بالغة التعقيد بعد الحرب، تبرز قضية العاملين في الخدمة المدنية كواحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وإثارة للتساؤلات، خاصة في مؤسسات ولاية الخرطوم التي ما تزال تعاني ضعف الرواتب وغياب البدلات والحوافز، رغم تضاعف تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة.
فالموظف الحكومي الذي ظل يعمل في ظروف استثنائية، وتحمل أعباء الحرب والانهيار الخدمي والاقتصادي، يجد نفسه اليوم أمام واقع مرير، حيث ما تزال الأجور تُصرف وفق الهيكلة القديمة لما قبل الحرب، دون أي تعديلات حقيقية تواكب الانهيار الكبير في قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وتزداد حالة الإحباط وسط العاملين عندما يشاهدون التفاوت الواضح بين المؤسسات الحكومية نفسها، فبينما تعجز بعض المؤسسات عن صرف الحد الأدنى من الاستحقاقات، تتمكن مؤسسات أخرى من صرف كامل الحقوق المالية لموظفيها، بما في ذلك الحوافز وبدلات العمل ومنح الأعياد، الأمر الذي خلق شعوراً واسعاً بانعدام العدالة والمساواة داخل الخدمة المدنية.
ويعاني موظفو ولاية الخرطوم بصورة خاصة من تراكم متأخرات مالية بلغت نحو 14 شهراً لم يتم صرفها حتى الآن، رغم الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها العاملون. وقد أدى هذا الوضع إلى تدهور الأوضاع المعيشية للموظفين وأسرهم بصورة غير مسبوقة، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والمواصلات والعلاج والخدمات الأساسية.
كما اضطر عدد كبير من موظفي الولاية إلى التقديم للحصول على إجازات دون راتب، ليس رغبة في التوقف عن العمل، وإنما لعجزهم عن تحمل تكاليف الحضور اليومي إلى مواقع العمل، حيث أصبح الراتب الشهري في كثير من الأحيان لا يكفي حتى لتغطية أجرة المواصلات فقط، ناهيك عن بقية متطلبات الحياة.
ويطرح العاملون تساؤلات مشروعة: كيف يمكن لموظف أن يؤدي واجبه بكفاءة وهو غير قادر على توفير أبسط متطلبات أسرته؟ وكيف تستمر الدولة في مطالبة الموظف بالصبر والإنتاج بينما الرواتب الحالية لم تعد تكفي حتى لتغطية تكاليف المواصلات أو الغذاء لأيام معدودة؟
إن استمرار العمل بهياكل أجور قديمة في ظل واقع اقتصادي جديد يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه استقرار الخدمة المدنية، ويهدد بصورة مباشرة كفاءة المؤسسات الحكومية وقدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين.
فالخدمة المدنية ليست مجرد وظائف، بل هي العمود الفقري للدولة، وأي ضعف يصيب العاملين فيها ينعكس تلقائياً على التعليم والصحة والخدمات والإدارة العامة. لذلك فإن معالجة قضية الأجور لم تعد رفاهية أو مطلباً فئوياً، بل أصبحت ضرورة وطنية للحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.
ومع اقتراب الأعياد والمناسبات، تتجدد معاناة آلاف الأسر التي تعيش على رواتب بالكاد تكفي للبقاء، بينما تتسع الفجوة بين العاملين في المؤسسات المختلفة بصورة تثير كثيراً من علامات الاستفهام حول العدالة الوظيفية وتكافؤ الفرص.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد وعود أو لجان، بل قرارات شجاعة تعيد النظر في هيكلة الأجور والبدلات، وتضمن الحد الأدنى من العدالة بين العاملين، مع الإسراع في تنفيذ التعديلات المالية المتأخرة، وصرف الاستحقاقات بصورة عادلة تحفظ كرامة الموظف وتساعده على مواجهة أعباء الحياة.
فالعدالة في الخدمة المدنية ليست شعاراً، وإنما أساس للاستقرار والإنتاج وبناء الدولة.
