✒️ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد
كان الليلُ الصحراوي يهبط ببطءٍ فوق الطرق البعيدة، بينما يقف جنديٌّ مجهول الاسم عند تخوم المعركة، يحدّق في الفراغ الممتد أمامه أكثر مما يحدّق في سلاحه.
لم يكن يفكر في النصر بقدر ما كان يفكر في المسافة الطويلة التي قادته إلى هنا؛ في الوجوه التي غابت، والسنوات التي عبرت فوق كتفيه كأنها عمرٌ كامل من الانتظار.
هناك، في تلك اللحظات التي يختلط فيها الصمت برائحة البارود، لا يعود الإنسان مجرد مقاتل، بل يصبح ذاكرةً تمشي على قدمين، تحمل الوطن بكل ما فيه من وجعٍ وأسئلةٍ مؤجلة.
في الحروب، لا تُقاس الحقيقة بعدد البنادق، بل بعدد الأرواح التي دفعت ثمنها بصمت.
وعلى تخوم المشهد السوداني الممتد بين الحرب والأمل، تقف حركة العدل والمساواة السودانية بوصفها واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا وامتدادًا في الذاكرة السياسية والعسكرية للبلاد؛ تجربة لم تُكتب فقط بلغة السلاح، بل بلغة الفقد الطويل، والانتظار الذي امتد في الجغرافيا والإنسان معًا.
لم تكن الطريق إليها سهلة، ولم تكن ساحات القتال مجرد مواقع عسكرية، بل كانت مساحات ممتدة من الألم الإنساني الذي حمله مقاتلون خرجوا من هوامش بعيدة، لا يحملون فقط البندقية، بل يحملون أيضًا سؤال الاعتراف المؤجل، وجرح العدالة غير المكتملة في البلاد.
في ميادين القتال، لا يظهر الجندي كاملًا كما في الخطابات السياسية، بل يظهر مجردًا من كل شيء إلا إرادته؛ هناك، حيث لا صوت يعلو فوق صوت البقاء، تشكّلت ملامح آلاف الجنود الذين خاضوا معارك قاسية، في ظروف لا تمنح الكثير من الخيارات، لكنها تمنح اختبارًا واحدًا: الصمود أو الانكسار.
وقد دفع هؤلاء ثمنًا ثقيلًا؛ بين قتيل لم يعد، ومفقود لم يُعرف مصيره، وجريح يحمل جسده آثار الطريق الطويل.
لكن ما لا يُقال كثيرًا، أن ما فقدوه لم يكن فقط في ساحات القتال، بل في سنوات العمر التي انكسرت بين الجبهات والانتظار، وبين حلم وطن لم يكتمل بعد.
وما يجعل هذه التجربة أكثر تعقيدًا، أن آثارها لم تتوقف عند حدود الماضي، بل ما زالت تتردد في حاضر السودان حتى اليوم؛ في وجوه النازحين، وفي المدن التي أنهكتها الحروب، وفي ذاكرة جيلٍ كامل نشأ وهو يسمع أصوات الانقسام أكثر مما يسمع أصوات الطمأنينة.
فالحرب حين تطول، لا تبقى حدثًا عابرًا في السياسة، بل تتحول إلى مناخٍ كامل يعيد تشكيل البشر، ويترك أثره العميق في اللغة والذاكرة والعلاقات وحتى في معنى الوطن نفسه.
إن قراءة تجربة حركة العدل والمساواة لا يمكن أن تكون قراءة عسكرية فقط، لأنها في جوهرها امتداد لسؤال أكبر من الحرب نفسها:
كيف تُبنى الدولة حين يشعر بعض أبنائها أنهم ظلّوا طويلًا خارج معادلة العدالة؟
من هنا، يصبح فهم هذه التجربة ضرورة لفهم السودان نفسه، لا باعتباره جغرافيا فقط، بل باعتباره مشروعًا لم يكتمل بعد، يتأرجح بين مركز يملك القرار، وأطراف تحمل الذاكرة الثقيلة للتهميش والصراع.
ومع ذلك، فإن أي قراءة منصفة لا يمكن أن تتجاهل أن الحرب لم تترك أحدًا كما كان؛ فقد غيّرت الجميع، ودفعت الجميع إلى مناطق رمادية من التجربة الإنسانية، حيث تختلط الضرورة السياسية بالثمن الأخلاقي، وحيث يصبح البقاء نفسه قرارًا معقدًا لا يُقرأ بسهولة من الخارج.
لكن رغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتًا هي أن الجنود الذين خاضوا هذه التجربة لم يكونوا مجرد أرقام في تقارير الحرب، بل بشرًا دفعوا من حياتهم ما يكفي ليظل اسمهم جزءًا من ذاكرة السودان الحديثة، سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول المسار السياسي.
إن الحديث عن التضحيات لا يعني تبرير الحرب، لكنه يعني الاعتراف بأن خلف كل صراع طويل، هناك بشر يعيشون أثقاله اليومية، ويُعاد تشكيل حياتهم على إيقاعه القاسي.
وفي لحظة ما، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من انتصر؟
بل: كم إنسانًا تغيّر إلى الأبد في الطريق؟
إن السودان اليوم، بكل جراحه الممتدة، بحاجة إلى مقاربة مختلفة لفهم تجاربه المسلحة، مقاربة لا تختزلها في الإدانة أو التمجيد، بل تنظر إليها بوصفها جزءًا من تاريخ لم يُغلق بعد، وما زال يطلب قراءة أكثر عمقًا وصدقًا.
فالدولة التي لا تُنصف ذاكرتها، تبقى عالقة بين الماضي الذي لم يُفهم، والمستقبل الذي لم يُبنَ بعد.
وفي النهاية، تظل حركة العدل والمساواة السودانية — كغيرها من التجارب المسلحة في السودان — فصلًا من فصول قصة أكبر من الجميع؛ قصة وطن ما زال يبحث عن توازنه بين العدالة والمساواة، بين الاعتراف والنسيان، بين الذاكرة والبدء من جديد.
سلامٌ على الذين عبروا النار ولم يُكملوا الحكاية،
وعلى الذين ظلوا يحملون أثرها في صمت طويل لا يراه أحد.
وسلامٌ على الذين حملوا الوطن فوق أكتافهم ومضوا،
وعلى الذين عادوا من النار بأرواحٍ لم تعد كما كانت.
فبعض الحروب تنتهي بالاتفاقات، لكنها تظلّ حيّة داخل الذين عبروا رمادها.
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان، وفي البلادِ المتعبةِ يولدُ الإنسان.
سلامٌ على من عبروا نارَ الطريق، وحملوا الوطنَ فوق أكتافِ الحنينِ والرماد، وعادوا بأرواحٍ تُخفي وجعَ السنين.
سلامٌ على الصابرينَ حين ضاقَ المدى، وعلى الذينَ ظلّوا واقفين رغم انكسارِ الجهاتِ وتعبِ المسافات.
سلامٌ على وطنٍ كلّما أثقلتْهُ الحروب أعادَ جمعَ قلبهِ من شظايا الفقد.
“توقّعي…
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد،
أنا امرأةٌ من حبرِ النار،
أكتبُ الوطنَ حين يصمتُ الجميع،
وأحملُ في صوتي ذاكرةَ الذينَ مرّوا من هنا ولم تُكمل الحكايةُ أسماءهم.”
✒️ عبير نبيل محمد
