صحيح انقضى ضجيج الأقلام، وهدأت وتيرة الأسئلة على أوراق الامتحانات في الشهادة السودانية لهذا العام ، وبقيت في فضاء السودان أسئلة كبرى أجابت عنها “ولاية نهر النيل” بلسان حالٍ لا بلسان مقال. لقد كانت الشهادة الثانوية هذا العام اختباراً وطنياً بامتياز للقيم والتعاطف والتراحم ، أكثر من كونها قياس ٌللمعارف الأكاديمية واجتياز للمراحل الدراسية ، وقد تجلت فيها معادن الرجال، وانصهرت فيها الفوارق في بوتقة “الوطن الواحد”.
لم تكن استضافة نهر النيل لطلاب وطالبات إقليم دارفور القادمين من ويلات النزوح والظروف القاسية فعلاً إدارياً معزولاً أو استجابة لنداء الواجب التعليمي فحسب ، ولكنها كانت ملحمة إنسانية رفيعة. فتح فيها أهل “النيل” صدورهم قبل بيوتهم، ومدوا بساط المحبة قبل موائد الطعام، مبرهنين على أن شيم الكرم المتجذرة في إنسان هذه الولاية خاصة والسودان عامة ، هي الحصن المنيع الذي تتحطم عليه دعوات الشتات وأوهام التفرقة ..
وفي المقابل، قدم أبناء وبنات دارفور لوحة سريالية من الثبات والإباء النادرة ، شبابٌ قهروا المسافات، واسترخصوا الأنفس والأموال، وتجاوزوا المتاريس الأمنية والنفسية، لا لشيء إلا تمسكاً بحلمٍ يرتكز على العلم ويتكئ على المعرفة ويراهن على المستقبل، هذه التضحية كانت بمثابة الرسالة الأقوى والعنوان الأبرز ، أن إرادة البناء في السوداني أقوى من آلات الهدم مهما استفحلت وتعاظمت ..
لقد مثّل هذا التلاقي الثقافي والاجتماعي “رصاصة الرحمة” على أوهام المليشيا وافتراءات التهميش الممنهج . فبينما كانت آلة التضليل المليشي تحاول تصوير الشمال كجزيرة منعمة ومنعزلة، جاء الواقع ليوضح أن المعاناة واحدة، واللقمة مشتركة، والهدف موحد. وهنا تلاشت مسافات العنصرية الموهومة ونحرت الكراهية تحت وقع خطى الطلاب وهم يسيرون في أزقة “الدامر” و”عطبرة” و”شندي”، حيث وجدوا في “نهر النيل” أماً ترؤم، وأخاً يشد العضد وداراً بديلة وعِشرة حسنة ..
لقد جسدت حكومة ولاية نهر النيل وإنسانها، بوعيٍ فطري مركوز وسياسي ناضج، شعارنا الخالد ، الجيل الواحد.. والوطن الواحد . أثبتوا عملياً أن السودان يسع الجميع ويفيض ، وأن “الهامش” ليس جغرافيا وشعارات ، إنما هو حالة ذهنية تصنعها الفتن، وتذيبها قيم “النفير” و”الفزعة” السودانية الأصيلة.
إن هذه اللوحة التي رُسمت بمداد العلم وعرق التعب في نهر النيل، هي الضمانة الحقيقية لمستقبل السودان. لقد سقطت الرهانات الخاسرة، وبقيت الروابط التي لا تنفصم. فمن يزرع المحبة في قلب طالبٍ مغترب، يحصد غداً وطناً آمناً مستقراً. فسلامٌ على النيل حين يفيض احتواءً، وسلامٌ على دارفور حين تشرق طموحاً، وسلامٌ على السودان الذي تجتمع أجزاؤه لتكون وطناً فوق الجراح.
