لم يعد الأمر مجرد حرب بين جيش ومتمردين، ولا مجرد أزمة اقتصادية خلفتها قعقعة السلاح. ما يحدث في السودان اليوم يتجاوز حدود “الفوضى العفوية” إلى ما يمكن تسميته بـ “الهندسة الخبيثة للإنهاك”. عندما يتجاوز سعر الصرف حدود الخيال، وتتحول الأسواق إلى مقاصل للمواطنين، وتتحول مؤسسات الدولة المدنية إلى هياكل بلا روح، يصبح لزاماً علينا أن نخلع قفازات الدبلوماسية ونطرح الأسئلة الحارقة: مَن الذي يدير مشهد التكبيل والانهيار؟ ولمصلحة مَن يُترك المواطن السوداني وحيداً في مواجهة الطحن اليومي؟
الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن هناك “سيناريو لتركيع الوعي” يتم تطبيقه بدقة متناهية. الهدف ليس مجرد تدمير البنية التحتية، بل تدمير “الإنسان السوداني” نفسيآ ومعنوياً، وإيصاله إلى حافة اليأس المطلق حيث يصبح أقصى طموحه هو البقاء على قيد الحياة، والعثور على جرعة دواء أو كسرة خبز. وعندما يصل الشعب إلى هذه المرحلة من الذهول والإنهاك، يتم فتح الستار عن “الأجندة غير المعلنة”؛ تلك التسويات المشبوهة، والحلول المفروضة من الخارج، ومحاصصات النفوذ التي تجبرنا على قبول “سياسة الأمر الواقع” والتنازل عن السيادة الوطنية لمصلحة قوى إقليمية ودولية تنتظر الانقضاض على أشلاء الدولة.
لكن، أين القائمون على أمر الدولة من كل هذا؟ هل سقطت مقود القيادة من أيديهم حقاً؟
الواقع يشير إلى أحد أمرين، كلاهما مر: إما أن هناك حالة من العجز والانسداد الكامل والوقوع في شرك حسابات المصالح وشبكات “اقتصاد الحرب” التي اغتنت من دماء المواطنين وتجارة الأزمات، وإما أن هناك “تواطؤاً بالصمت” وتعدد في مراكز اتخاذ القرار جعل الأداء التنفيذي مشلولاً تماماً، وعاجزاً حتى عن إدارة الولايات الآمنة وتوجيه مواردها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
هذا التكبيل المؤسسي يقودنا مباشرة إلى اللغز الأكبر الذي بات يؤرق كل بيت سوداني: لماذا يتأخر الحسم العسكري؟
هل هي حقاً طبيعة “حرب المدن” والدروع البشرية كما يُقال خلف المنصات الرسمية؟ أم أن حبال الحسم مكبلة بـ “فيتو” خارجي وخطوط حمراء دولية وضغوط دبلوماسية تخشى انتصاراً كاملاً يعيد ترتيب التوازنات؟ الحروب لا تُدار بالتردد، وطول أمد المعركة لا يستنزف العدو بقدر ما يستنزف الحاضنة الشعبية والعمق الاستراتيجي للدولة. إن استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” وترك الحبل على غارب الانهيار الاقتصادي، يمنح المتربصين بالداخل والخارج الوقت الكافي لطبخ التسوية الخبيثة على نار هادئة.
إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد معركة عسكرية، بل هي خطة ممنهجة لتذويب الدولة السودانية وتحويلها إلى كانتونات هشّة. وتأخير الحسم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لم يعد يملك أي تبرير منطقي. على مراكز القرار أن تدرك أن الشعب الذي صبر على الخطوب، لن يقبل بأن يكون ضحية لصفقات الغرف المظلمة، وأن استعادة الدولة تبدأ بكسر القيود المفروضة على القرار الوطني، ومواجهة شبكات الفساد، وإعلان مواجهة شاملة لا تجامل أحداً.. قبل أن يستيقظ السودانيون ذات صباح على واقع جديد يُفرض عليهم بقوة الجوع والترويع.
