الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةمقالاتالحرب تغتال قدسية المحراب التعليمي

الحرب تغتال قدسية المحراب التعليمي


بقلم/ د. اسماعيل الحكيم

لم تكن الحادثة التي شهدتها إحدى قاعات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية مؤخراً بود الحليو واقعة “غش” عادية أدت إلى حرمان طالب من مستقبله الأكاديمي، إنما كانت تجسيداً مرعباً للحظة التي يقرر فيها “الرصاص” أن يعلو فوق صوت “اللوائح”، ويتحول طالب العلم -الذي كان يُفترض أن يحمل مشعل التنوير- إلى “مشروع قاتل” يحمل بندقيته ليثأر من معلمه الذي لم يفعل شيئاً سوى التمسك بشرف المهنة وأمانة التكليف.
إن هذه الواقعة الأليمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد السوداني الدامي الماثل ، فهي الأثر المباشر والصدى المدوي للحرب التي أشعلتها ميليشيا آل دقلو المجرمة. هذه الحرب لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، ولكنها تسللت خلسةً لتسمم العقل الجمعي للناشئة. فقد أوجدت “ثقافة القوة” بدلاً من “قوة الثقافة”، فاستبدل الطالب القلم والممحاة بآلة الموت، وكأن لسان حاله يقول إن الحق لا يُؤخذ بالقانون والاجتهاد، بقدر ما يؤخذ بفوهة البندقية. وأخشى أن تغدو المدارس -التي كانت عبر التاريخ محاضن للقيم والمعرفة- ساحات لترجمة الانفعالات المتشظية، وانعكاساً لواقع الانفلات الذي تغذيه مليشيات لا تعرف للمدنية وزناً.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، يبرز تساؤل مشروع حول دور وزارة التربية والتعليم ومؤسسات الدولة. أين كانت برامج “الدعم النفسي” و”التحصين الفكري” التي كان يجب أن تسبق جلوس الطلاب لهذه الامتحانات المصيرية؟
إن الطالب في مرحلة المراهقة يمر ببركان من التغيرات النفسية، فإذا ما تداخلت هذه المراهقة مع ويلات النزوح، ومشاهد الدماء، وغياب الرقابة، فإننا نصبح أمام “قنبلة موقوتة” قابلة للانفجار في أي لحظة. فاذا عجزت الوزارة عن امتصاص الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب، وتركت الطلاب في مواجهة مصيرهم مع اليأس والإحباط دون “مصدات فكرية” تقيهم الوقوع في فخ الإجرام ، فإن نابتة الشر ستنبت في كل مجتمع ..
ومن هنا نبعث تحية إجلال لهذا المعلم الذي وقف صامداً أمام جبروت السلاح، متمسكاً باللوائح، مضحياً بسلامته من أجل نزاهة التعليم. إنه يمثل “الخط الدفاعي الأخير” عن قيم الدولة المدنية. إن محاولة الاعتداء عليه هي محاولة لاغتيال ما تبقى من هيبة الدولة في عقول الأجيال القادمة.
وإن ما حدث ينذر بمهددات وجودية للمجتمع السوداني؛ فإذا لم نتدارك الأمر، سنواجه جيلاً يرى في العنف حلاً، وفي السلاح وسيلة للتعبير. فإننا بحاجة إلى:

  • استنفار المؤسسات الدينية لتعزيز خطاب التسامح وقدسية العلم في المساجد.
  • ⁠دور الإعلام في تسليط الضوء على خطورة عسكرة العقول الشابة.
  • ⁠حملات توعوية مكثفة تقودها منظمات الإصلاح المجتمعي لترميم ما أفسدته الحرب في النفوس.
    إن الرصاصة التي كادت أن تستقر في صدر المعلم، كانت تستهدف صدر الوطن بأكمله. لأن معركتنا الحقيقية اليوم ليست في قاعات الامتحانات وحدها ، بل في انتزاع بذور العنف من قلوب أبنائنا، وإعادة “القلم” إلى مكانته الطبيعية كأقوى سلاح في معركة البناء والتعمير. فهل نعي الدرس قبل أن يرتد الرصاص إلى نحورنا جميعاً؟
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات